نحو ثورة حقيقيّة مستدامة
كرم الأحمر
لا ثورة من دون تطوّر فكري، كما يقول القول القديم. عليه يمكننا القول إنّ الثّورات الحقيقيّة والخلاّقة والمستدامة فعليًّا هي التي تنبع من عالم الفكر أوّلاً لتنعكس على الواقع والحياة لاحقًا. يكثر الحديث اليوم عن الثّورة والحقيقة أنّه ليس هناك من ثورة بل انتفاضة وجع وألم ماديّ ومعنويّ ما زال ضائعًا في سبيله يتخبّط يمينًا ويسارًا، ذهابًا وإيابًا من دون نتائج سياسيّة يبنى عليها.
رغم هذا التّخبّط والضّوضاء وتعدّد المطالب والآراء الثّوريّة إلّا أن هناك شبه إجماع على رؤية معيّنة لحلّ المشكلة ولو كان التعبير عنها متعثّر وغير واضح. هنا نقصد تعبير "تغيير النّظام" الذي بات يكثر على ألسنة الجميع حتى من لا يؤيّدون المسار الثّوري الحالي. بعد تجربة أكثر من 100 عام على لبنان الكبير قد أصبح من الواضح ومن تكرار الأزمات ومن استفحال حلّ الصّراع الدّاخلي على جوهر النّظام والمبادئ السّياسيّة، أنّ هذا النّظام بحاجة إلى تغيير. لا نعني هنا بالنظّام الشّكل السّياسيّ-القانونيّ أي برلماني أو رئاسي أو غيره بل نعني الرّوح المحرّكة للتّفاعلات السّياسيّة في لبنان، أي الكلّ الجامع فيما يخصّ النّظرة إلى تاريخ وحاضر ومستقبل ودور هذا الوطن. تجدر الإشارة هنا إلى أهميّة معالجة هذا الموضوع في زمنٍ باتت فيه الفوضى منتشرة وما للأمر من خطر استغلال الجموع الضّائعة من قبل أصحاب الأفكار الشّعبويّة والإلغائيّة والدّيكتاتوريّة.
إذا أردنا معالجة موضوعنا لا بدّ من أن نشير إلى المشكلة أوّلًا في ما يدعى "النّظام" القائم ألا وهي مشكلة الشّرق ككلّ، مشكلة التّوفيق بين متطلّبات الجماعات والعائلات الرّوحيّة وتطلّعاتها في ظلّ بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة.
هذا الصّراع بين الجماعات وخوفها من الدّولة (ونقصد هنا المؤسّسات العصريّة القائمة على القانون المدني والمواطنة) وبالتّالي السّعي للسّيطرة عليها بالشّكل السّلبي هو ما أعاق قيام دولة إنسان وقانون متطوّرة تؤمّن للجميع حقوقهم، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من فوضى ودمار وانعدام أبسط متطلّبات الحياة.
لعلّ اعتماد بعض الأطراف الدّاخليّة على الخارج هو أحد أبرز الأوجه التي تدلّ على فشل النّظام الحالي في تأمين مصالح الجميع حيث تشعر هذه الأطراف بالغبن والخوف وتسعى لتأمين مصالحها بدعم خارجي وباستقواء على النّظام بدل الاندماج فيه.
في هذه الأوقات العصيبة يفتقر اللّبنانيون إلى مساحةٍ للتّصارح والكلام الفكريّ البنّاء كما في زمن النّدوة اللّبنانيّة ومفكّريها. في البحث عن الحلول لواقعنا الحالي قد يفيد مراجعة محاضرات هذه النّدوة في كتاب أمين الياس، علمانيّة "من عندنا"، أفكار في الطّائفيّة والعلمانيّة والدّين والدّولة، الصّادر عن دار سائر المشرق.
بعد قراءة هذا الكتاب يمكن الاستنتاج أن الحلّ لمعضلة نظامنا وللإشكاليّة السّابق ذكرها هي في الاتّجاه نحو الإنسانيّة واستنباط النّظم منها حيث أن هذا الشرق سيبقى على فوضويته أو فوضاه ما لم يبدأ في إعطاء الإنسان قيمته كشخصٍ بحدّ ذاته لا كفردٍ ضمن جماعة وذلك مع الإبقاء على حريّة انتسابه إلى أيّ جماعة قد يختارها بشكل إرادي لا جبري فإنّ الجماعات مكوّن أساسي في مجتمعنا ولا يمكن إلغاؤها وإنّما الحلّ يبدأ من إيجاد التّوازن بينها وبين الحريّة الشّخصيّة والقيمة الشّخصيّة.
من هنا إن الحلّ لا يكمن بالفصل التّام بين الروّحانيّات والزّمنيّات ولا بالدّمج أيضًا بل بإيجاد صيغة حلّ وسط تعيد الرّوحانيّات إلى مكانتها كمنبع للفكر الإنساني بدل أن تكون موضع اختلاف وصراع. يعاد هنا الله إلى تساميه بعيدًا عن الخلافات السّياسيّة ويعاد إلى العقل دوره في الأمور الزمنيّة اليوميّة دون إقصاء الرّوحانيّات بل التّعلّم منها ومن وحيها.
هذا مع احترام حريّة الضّمير لكلّ مواطن أي حريّة الايمان والاعتقاد والعبادة وتغيير الدين أو عدم الالتزام دينيًّا أيضًا. بحسب تعبير الكاتب في كتابه لبنان الكبير، "من الخطأ التّاريخي" إلى الدّور الحضاري المرتجى، الصّادر عن نفس الدّار: "يكون الرّوحي/الدّينيّ دومًا حاضرًا في المساحة العامّة على ألاّ يخضع ل"السّياسيّ المدنيّ" بل يكون ملهمًا إيجابيًا له لما فيه مصلحة الإنسان، وعلى ألاّ يُخضِع "الشّأن السّياسيّ" للمطلقات الدّينيّة. بهذا يكون الدّين مفصولاً عمليًا عن السّياسة، لكنّه يبقى يمثّل هذه الشّعلة الثّوريّة الدّافعة قدمًا بالإنسان نحو الأفضل والأحسن"(ص 33).
أخيرًا، إن لبنان فعليًا كما قال البابا يوحنّا بولس الثّاني "رسالة"، إنّه رسالة للعالم عن إمكانيّة التّعايش بين الثّقافات والأديان وهذا التّعايش لا يمكن أن يحدث إلّا من خلال الدّولة الحديثة والمواطنة واحترام الإنسان.
كرم الأحمر
الإثنين 16 آب 2021