حكومة الأزمة، حكومة مأزومة
مروان حرب
صيغة تشكيل الحكومة الذي يعمل الحريري عليها لا تخرج عن المعهود ولا تمثّل تغييرًا نوعيًا يستجيب لتطلّعات الشارع. الجديد قديم، أنها عملية لإعادة إنتاج النظام وسياساته المولّدة للبؤس والهجرة وانهيار الدولة. وإن الحديث عن وزراء اختصاصيين ليس سوى إخراج مضلّل وخادع. إن قرار هؤلاء الوزراء سيكون بطريقة مباشرة بيد الجهات السياسية التي ستعينهم. لعبة الأسماء والتسميات تدل بشكل واضح عن إمعان القوى السياسية في تشكيل حكومة مشتّتة، عاجزة، متعدّدة الرؤوس تلبّي ليس مطالب الشعب بل مطالب القوى السياسية.
رغم حجم الأزمة وآلم الناس وخوفها، إن طريقة التعاطي الحالية مع تشكيل الحكومة هي ذاتها التي اعتمدت في الحكومات السابقة. حصص وثلث معطّل. الثقة بين الأطراف التي من شأنها أن تتولّى الإنقاذ معدومة لا بل متصارعة. مفتاح تصاريح ومواقف المعنين بتشكيل الحكومة واضح: رئيس حكومة يظهر بشكلٍ صريح نقطة ضعف سياسية كبيرة نابعة من حاجة وجودية لديه بأن يكون في السلطة مهما كلّف الأمر، ورئيس جمهورية يسعى لتعويض إخفاقات العهد بحصّة وزارية وازنة. حزب الله لا يمكنه أن يكون خارج الحكومة كونه لا يثق بأحد من حلفائه لتبديد هواجسه من قرارات حكومة لا يمسك بقرارها. في الواقع، الجميع يدّعي أنه يسعى لتشكيل حكومة لمواجهة الأزمة، في وقت كلّ جهة تحاول أن تدخل الحكومة من أجل تعطيل السلطة التنفيذية ومحاصرة الآخر!
حكومة الأزمة تحولّت الى حكومة مأزومة. طقوس بدائية نشاهدها يوميًا، يتقاذفون حيلة الأسماء والمكائد، في وقت أن المهمّ ليس أسماء الوزراء بل برنامج الحكومة. لم يعرض أحد من الجهات التي تتصارع على التشكيل برنامج عمل الحكومة: ما هي مهمّتها وأولوياتها، وما هي قراراتها لمواجهة الأزمة؟ كيف ستوقف التدهور المالي والاقتصادي؟ البرنامج هو المعيار الطبيعي الوحيد لتشكيل الحكومة في الوقت الراهن. الأسماء ثانوية، طالما هناك فريق عمل متجانس سيدخل الحكومة لتنفيذ برنامج حقيقي، زمني وواضح. ناهيك عن أن منصب الوزير بطبيعته هو منصب سياسي، على من يشغله أن يكون لديه دراية ومعرفة وخبرة في الشأن العام، وليس متخصّص بشأن معيّن. الأخصائي في الوزارة هو الجهاز الإداري، من فنّيين ومستشارين وموظّفين وليس الوزير. كأن تشكيل الحكومة هي كعملية تشكيل المنتخب الوطني لكرة القدّم، إذ نختار أفضل اللاعبين المحترفين. وإن كان التشبيه جائزًا، هذا الفريق لا مدرّب له ولا "كابتن" له، والحكم أصبح طرفًا.
نحن في وضعٍ رديء بحيث نعيد تسليم البلد للجهات عينها التي فجّرته. كلّ شيء انفجر في البلد من المرفأ، إلى الليرة، إلى الاقتصاد، إلى القوّة الشرائية، إلى الأجور. كلّ شيء انفجر، إلّا قبضة القوى السياسية على مقاليد السلطة، واللبناني مهدّد يوميًا بانقطاع حاجاته الحياتية الأساسية من خبزٍ ودواء وطاقة. كيف يمكن تفسير القدرة الأسطورية للأشخاص الممسكين بالنظام على البقاء زعم الانفجار الوطني الكبير؟
جزء من الجواب كامن في كون المجتمع اللبناني بحدّ ذاته منجرف بخطاب أسطوري يصنع الأبطال، ينصّب آلهة سياسيين ويتشبّث بالرمز ويندهش بهالة الأوهام المحيطة به، فيعيد تدوير النظام السياسي. تقول مارلين مسعد في كتابها "إعادة تدوير الميثوليوجيا" الصادر عن دار سائر المشرق "ثمة خطورة قائمة بالتشبّث بالرمز (...) أيًا كانت هذه الرموز كالرمز البشري وترديد آرائه واعتمادها كثقافة حتى وإن لم تخلُ من بعض الغباء."
وهو الأمر السائد حاليًا بكلّ مظاهره، الأمر الذي تتشكّل معه عادات التأقلم والتكيف مع الإخفاقات والفشل السياسي والاقتصادي، ليعيد اللبناني حمل انهياره فوق ظهره وحيدًا.
مروان حرب
السبت 28 تشرين الثاني 2020