­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

''هجرة الآلهة والمدائن المجنونة'': الواقع التعيس بجمال فلسفيّ

راكيل عتيّق

صرخة، غضب، سخط، وجع... فعتاب وأسئلة. أهو إلحاد وكفر وقلّة إيمان؟ أم يقين تام بوجود من يسمع؟ النموذجان مطروحان في رواية «هجرة الآلهة والمدائن المجنونة» للدكتورة ناتالي الخوري غريب. رواية تجعل القارئ يطرح الأسئلة من عنوانها. لماذا «الآلهة»؟ وأيّ هجرة؟ هجرة الله الكون؟ أم هجرة الانسان الله؟

تنطلق الرواية من هذه الجدلية، لتفنّدها من خلال قصص صادمة بواقعيتها، فتراكم الأسئلة، السؤال تلوَ الآخر، من أوّل كلمة إلى آخر حرف فيها. فهي قصة رجل دين في الحرب السورية، ورواية مواجهة المآسي الإنسانية والموت في الحروب والأوبئة والإرهاب والتهجير.

ألا يوجد من يمدّ يده؟

«هجرة الآلهة والمدائن المجنونة» للدكتورة ناتالي الخوري غريب، الناقدة والباحثة والأستاذة في الجامعة اللبنانية، والمتخصّصة في الأدب الصوفي والفلسفة، رواية صادرة عن دار سائر المشرق، تدور أحداثها في سوريا ولبنان والعراق وغربي إفريقيا في السنوات الأخيرة الماضية، حيث جُنَّت الأرض أمراضاً وحروباً وإرهاباً وعبثية.

إنطلقت فكرة كتابة هذه الرواية خلال «صيف 2014 حين تناول الإعلام بكثافة ما يحصل في سوريا، ونقل صور وحكايات الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالحرب الجارية، الشعب البريء الذي ليس طرفاً بما يجري. الشعب الذي شُرّد وعانى، والذي قُتِل على الطرقات»، هذا ما تقوله د. ناتالي الخوري غريب خلال مقابلة أجرتها معها «الجمهورية».

وتتابع: «كنت في تلك الفترة في ليبيريا، في أوج ظهور وباء أو فيروس إيبولا، حيث سيطر الخوف على اللبنانيين، الذين أسسوا عملاً ومنزلاً هناك، ولم يكن من السهل أن يتركوا كلّ شيء ويعودوا إلى لبنان.

وتزامن مع هذه الأحداث التي حصلت خلال أسبوعين أو 10 أيّام، حصول أحداث عرسال في لبنان، وبروز قضية الإيزيديين وصرخة النائبة الايزيدية في البرلمان العراقي، ما دفعني للشعور بأنّ الدنيا جُنّت ولا يوجد من يخلّصها، من هنا طرحت السؤال: ألا يوجد من يمدّ يده لتخليص الناس الأبرياء؟ وانطلقتُ بكتابة الرواية».

لا بيئة حاضنة للحب

الوجع والمعاناة، محور الرواية الطاغي، إلى جانب علاقات عشق تبلسم جرح وجع الروح من دون أن تختمه بخيط الحب. فالحب مسكّن ولا يُتوّج بعلاقة دائمة لمن يعيشون في واقعٍ من دماء وشرور ومصالح، حيث لا بيئة حاضنة للجمال والنقاوة.

وعن مدى واقعية أحداث الرواية، تشير د. ناتالي إلى أنّ «الكاتب ينطلق دائماً من الواقع، فلا يوجد كتابة خيالية بالمطلق، ومن ثم يأتي عمل الروائي بأن يطلق العنان لخياله وتضخيم الشخصية والأحداث»، مضيفةً «بنيتُ شخصيات هذه الرواية استناداً إلى شخصيات حقيقية، فروايتي منطلقة من الواقع، والشخصيات بتنوّعها نعيش معها في حياتنا الواقعية، وعلاقتها مبنية مع الله وفق مصلحة معينة، والشخصيات التي تقرّبها الأزمات من الله أو تبعدها عنه».

«جابر» من الشخصيات المعقّدة في الرواية، والتي تطرح من خلالها الكاتبة نموذجاً عن المتطرّف الإرهابي الذي «لا دين له»، إلّا أنّ الكاتبة تجعلنا نتعاطف مع هذه الشخصية طيلة الرواية، وحين وصولنا إلى حافة الوقوع في هاوية الشفقة والتفهّم فمسامحته، تعود وتردّنا إلى الواقع المجنون، فتحوّل تعاطفنا معه إلى كره واشمئزاز.

فهل هذه الشخصية من حبر أو من دم؟ تؤكّد د. ناتالي «تجسّد هذه الشخصية الناس الذين يظهرون عكس ما يضمرون، فيظهرون الوجه الجميل وهم يعملون من أجل أنظمة ومصالح. الذئاب دائماً تتمظهر بثوب الحملان».

إله خاص بكل إنسان!

تتشابك أحداث الرواية وتعبّر الكاتبة بلسان شخصياتها عن مختلف الآراء حول الأحداث في سوريا وتداعياتها على لبنان. وتريد أن تقول: «من خلال ثلاث علاقات غرام قوية بين هذه الشخصيات، وعلى رغم التفلت الأخلاقي الذي يحدث خلال الحروب، يبقى الحب هو الذي يرتفع بالإنسان ويبعده عن القتال، فيجمع الحب الأشخاص المختلفين سياسياً»، معتبرة أن «لا سبيل للخلاص إلّا بالحب».

«سامح» رجل الدين، أبعدته المصائب عن الله وجعلته يتمرّد ويخلع «جبّته»، «جهاد» والكاهن في نيجيريا قرّبتهما الأزمات من الله، فقالا انها نوع من النعمة. وفي الرواية 5 أصوات: الملتزم دينياً، الأصولي، الشيوعي، الكافر والصوفي. و»الأسئلة حول عدم إنقاذ الله الانسان ممّا يجري يبرّرها إيماننا بعدالة الله الكبيرة، فالغضب والعتاب نتيجة إيماننا برحمة الله التي نريد أن نلمسها» هذا ما تقوله د. ناتالي.

ولماذا الآلهة وليس الله في العنوان؟ لأنّ «كل إنسان خلق الله الخاص فيه وفق مصالحه ورؤيته وقياسه، وكثرة التأويلات إضافة إلى تعلّق الناس بالطقوس والقشور مبتعدين عن الجوهر عوامل أدّت لأن يظهر أنّ هناك أكثر من إله. فلقد هجرت الناس المحبة، والله محبة فلا يمكن أن تنوجد ألوهة من دون محبة».

«هجرة الآلهة والمدائن المجنونة»، غير عبثية كأحداثها، بل عاقلة هادفة تنبع من مخزون كاتبتها الثقافي الفكري واللغوي. رواية يستغرب القارئ كيف تصدمه، وهو يعرف تماماً أنّ هذا هو الواقع، وأنّ هذه الفظاعة تحدث، هنا، اليوم، في القرن الواحد والعشرين. من هنا تظهر أهمية قدرة الكاتب ودوره الإنساني في نقل الواقع وتأريخه بلغة أدبية جميلة للأجيال القادمة كما للذين يعيشون في صلب هذه الأحداث.

وبعد «حين تعشق العقول» التي تبحث فيها د. ناتالي الخوري غريب عن العدالة الإلهية والخلاص خارج الأديان التوحيدية، و»هجرة الآلهة والمدائن المجنونة» التي تنادي فيها الله وتسائله أو تطرح عليه الأسئلة؟! يصدر قريباً لها مجموعة قصصية واقعية ورمزية، فيها بعد إنساني، تحت عنوان «الغريبان».

راكيل عتيّق

الجمهورية

الجمعة ٢٩ نيسان ٢٠١٦