وكبيرٌ آخر يغادرنا
السفير سمير شمّا
بداية الجائحة-المأساة التي تغلغلت في مشارق الأرض ومغاربها كان جوزف الصايغ في باريس. حدّثني عن رغبته الجامحة بقضاء الصيف في زحله كما فعل دومًا. حدّثني عن وجعه إذا حالت الظروف القاهرة المأساوية دون تحقيق أمنيته الغالية. "هذه العودة تحييني: بيتي في حارة الراسية، إطلالته على ضفاف البردوني كما على كروم زحله ودواليها، معاودة لقاء من صادقنا وأحببنا من أهل المدينة. هناك أعود إلى ذاتي الحقيقية" ومضى في حديثه: "كتبت عن "القصيدة باريس" دون أن أنسى ما قاله أحمد شوقي في مدينة الشعر والخمر:
إن تُكرِمي يا زحله شعري إنني أنكرتُ كلّ قصيدة إلاّك
وأجبته: ألستَ أنتَ من خاطب زحله قائلًا:
غنيتموها فأغنيتم معانيها بالشعر بالنبل بالحسن الذي فيها
وقلتموها عروس المدن ما ازدهرت حواضر الحسن إلاكي تحاكيها
ثم تجاوز الهواجس والمخاطر ليحقّق رغبته فجاء إلى زحله التي أبصر فيها النور. حدّثني عن هنائه النفسي في أرجائها، يغمره ارتياح لا يوصف. شاءت الأقدار أن تكون زيارتك الأخيرة وكأنها رحلة وداع المدينة التي أحببت؟ كأنك جئت لتلقي قصيدتك في كبيرٍ آخر رفيق عمرك أنيس مسلّم، في صلاة جنازته في دير الطوق.
قبيل غيابه بعدة أيام أجريتُ اتّصالًا به إثر عودته إلى باريس. سألني بداية عن زحله وأبنائها، حدّثني عن دمعتين ذرفها: دمعةٌ على باريس الحزينة والجريحة بعد أن كانت تنبض حياةً وعطاءً، ودمعةٌ بسبب مغادرته لبنان. "كم تمنّيت أن أبقى في زحله" كانت كلماته الأخيرة قبل رحيله.
أيها الراحل الكبير والصديق الأعزّ
ستبقى في لبنان شاعرًا كبيرًا، أديبًا من كبار أدبائه ومثقّفيه، ستبقى في المدينة التي أحبّتك وأحببتها نجمة مضيئة في سمائها تنضمّ إلى شلّة شعرائها ومفكّريها ومثقّفيها والتي كَبُرت بكم زحله وتباهت وكنتم لجيلنا القدوة والمثال.
السفير سمير شمّا
الإثنين 9 تشرين الثاني 2020