لا يمرّ الزمن -الحلقة السابعة والعشرون
بيار حبيب
27- لقاء الفراق
عندما قابلها في غرفتها فوجئ بمظهرها. خصلات شعرها مبعثرة على غير عادة، وجنتاها شاحبتان وقد فقدتا لونهما الوردي، عيناها ذابلتان شابهما احمرارٌ باهت، ونظرتها متهالكة كأنّها قطعت أميالًا عديدة. فسارع إلى القول:
- حبيبتي ميرا، ما بك؟ ماذا دهاكِ؟ هل أنتِ مريضة؟
- لا، لستُ مريضة. أريد أن أسألك يا عماد: هل فعلًا الأموال التي بحوزتك والتي دفعت منها قسطًا للشقة، قد ساعدك والدك بها كما ذكرت لي؟
فاجأه كلامها غير المتوقّع، فاحتار في الإجابة، وقال:
- ما مناسبة هذا الكلام الآن؟
- لا تتهرّب من الإجابة على سؤالي.
فزادت المفاجأة، وكانت هذه المرّة في أسلوبها في الكلام، وفي لهجتها الحادّة والصارمة. فأدرك في قرارة نفسه أنّها باتت تعلمُ أمورًا عنه. قال:
- نعم، تلقّيت مساعدة مالية من والدي.
- كيف يستطيع أن يساعدك، وقد كان موظّفًا براتبٍ متواضعٍ. وترميم المنزل القروي، ومصاريف مرضه، قد أتيا على معظم تعويضه.
- ولكنّه يملك أراضٍ زراعية.
- وريعها متواضعٌ أيضًا.
وسكتا قليلًا قبل أن تتابع:
- هو يعتبرني كابنته تمامًا، سأتّصل به، وأسأله عن الموضوع.
فأجاب على الفور:
- لا، دعي والدي جانبًا.
وعاد صمتٌ مريبٌ يخيّم بينهما، ثمّ قالت:
- وهل امتناعك عن المشاركة في الحراك فقط لأنّ وظيفتك تمنع عليك ذلك؟ وما تفسيرك للفرح الذي ظهر جليًّا عليك يوم نجح والدي في إقناعي بالعدول عن المشاركة في الاحتجاجات؟ لم أجد يومها تفسيرًا لحماسك هذا، وأنت الذي قدتني إلى الحراك بيديك.
- وما مناسبة هذا الكلام يا حبيبتي؟
- ألم تدرك بعد مناسبة هذا الكلام؟ ساعات قليلة، وربّما دقائق، تقرأ اسمك بين المتّهمين بالفساد في وزارتك. بمَ تفسّر لي الأمر؟
وقف في مكانه كأنّ أفعًى لسعته، وصرخ:
- ماذا تقولين؟ من أخبرك بهذه الترهات؟
- علمت من مصادر موثوقة، وأردت أن أعرف الحقيقة منك أنتَ بالذات.
عاد وجلس محبطًا، وقال بنبرة توشك على الانهزام:
- ألستِ تعرفيني يا ميرا؟ ألستِ تعرفين عماد؟
- كنتُ أظنّ أنّي أعرفك، وكانت لي ثقة عمياء بك. أعدْ لي هذه الثّقة وصارحني بكلّ شيء، كلّ شيء.
- ما قمت به يقوم به الجميع. دوامٌ إضافي غير ضروريّ، وتغطية على بعض الموظّفين الذين يتأخّرون عن أعمالهم.
- فقط؟ وما قصّة الفواتير الوهميّة؟ أموال مدفوعة لقاء معدّات لم تدخل مستودعاتك؟
نضح جبينه بالعرق، وغرق في مقعده، وأمسك رأسه بيديه، وسألها:
- من أخبرك؟
- ليس المهمّ من أخبرني. المهمّ أنّ الاتّهام صحيحٌ، وهذا واضحٌ جدًا على وجهك.
توقّفا عن الكلام، وما عادا نطقا بكلمة واحدة. كان يسترق النظر إليها مراقبًا حركة انفعالها. أوحَتْ له بأن بات لزامًا عليه أن يغادر.
لكنّه شعر أنّ رباطًا شديدًا يمنعه من الانفصال عن مقعده، فإذ يتركه، لن يعود إليه. يريد أن يسمع منها شيئًا مهما يكن، فقط لتتكلّم فيغادر.
توسّلت عيناه لها تستعطيان الكلام، تشحذاه، ترجواه. لكنّها تجمّدت كلوح ثلجيّ! فلا طفرة من عينيها اللتين تنظران في الفراغ. ولا رجفة من وجهها المحنّط كتمثال فرعوني، ولا إيماءة من يديها المسدلتين كقالبي جفصين. لم يجد بدًّا من المغادرة. وقف متّجهًا نحو الباب، وفي كلّ خطوة من خطواته التي تقاصرت، ما انفك يلتفت إليها علّها تشفق عليه بأيّة عبارة، من دون جدوى. أمسك قبضة الباب متّكأ عليها، حاول أن يودّعها، لكنّ صمتها المطبق أخرسه، فخرج.
تطلّع ناحية المنزل وهو يجلس خلف المقود، وبحثت عيناه عن غرفتها. هل ما عاد بيته الثاني؟ هل هذه الغرفة لن تعود تحتلّ ركن صدره الدافئ؟
شعر أنّه ينسلخ عن هذا المكان... كيف ينسلّ الظفر عن اصبعه.. كيف يحرم الماء عن ظامئ في لظى الصحراء.. كيف يخطف رضيع عن ثدي أمّه.. يا لهول الألم يعتصر قلبه، ويمزّق صدره، ويصدع رأسه.. تشنّجت يداه على المقود حتّى كاد يقتلعه من مكانه، وطأطأ رأسه يريحه عليه، وانفجر في بكاء حارٍّ، وارتجفت مفاصله في حركة هستيريّة، وراح يصرخ: "ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ إن خسرتها خسرتُ حياتي، علّة وجودي. يا الله، ساعدني". ثمّ بدأ يستكين شيئًا فشيئًا، وسأل نفسه: "هل كان عليَّ إخبارها بموضوع شريط الفيديو الثاني؟ هل كانت سامحتني أيضًا؟ ما أغباني. كان عليَّ أن أفعل ذلك، وأمنع الأمور أن تتطوّر. ولكن حصل ما حصل، ولم يعد يجدي نفعًا الآن".
فور مغادرته منزلها، اتّصلت ميرا بزياد، وطلبت منه أن يقصد صديقه في الحال، فهو بحاجة ماسّة إليه في هذه اللحظات وأن يبيت عنده هذه الليلة. ولمّا حاول أن يستفسر منها المزيد، اعتذرت من أنّها لا تستطيع أن تبوح بشيء، وأنّها منهكة وبحاجة إلى الراحة.
فَعَلَ ما طلبت منه، وتوجّه إليه، فوجده في حالة يُرثى لها، فلازمه طيلة الليل. أفضى له عماد خلاله بما جرى عند ميرا، واعترف أنّه شارك في عمليات الفساد في وزارته. أسف لما سمعه منه لكنّه قال:
- أنا صديقك يا عماد. ومهما يكن، فلن أتركك أبدًا. فصداقتنا تظلّ ثابتة في كلّ الظروف والأوضاع.
***
بيار حبيب
الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2020