­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

تربية وطِبَاع

منى جوخدار

يُحكى أنَ إذا وضعنا ضفدعًا في حلّة ماءٍ على النار يقوم هذا الضفدع المسكين بإفراز طاقة مقاومة ولا تؤثّر به سخونة الماء، أي كلّما ازدادت سخونتها تزداد معها قوّة تحمّله لها حتى درجة الغليان!

عندها إذا حاول القفز من الماء لم يستطع ذلك! لا ليس لأنه احترق بل لأنه فقد قدرته على التحمّل فيموت! كان حريٌّ بالضفدع القفز والهرب قبل أن يفقد طاقته كاملة والتي خسرها أثناء محاولته التكيُّف مع حرارة الماء وتحمّلها حتى الغليان!

هذه إحدى النوادر عن غباء الضفدع الذي من المؤكّد أنها من طباعه... أما ما جرى والذي يجري وسيجري بنا نحن أبناء هذا الوطن المعذّب، المشتّت، المشرذم، الفاقد لكلّ معايير المواطنة الصحيحة والسليمة يشبه إلى حدٍّ كبير ما حصل مع الضفدع الغبي.

سأجيبكم قبل السؤال: نحن شعبٌ تربّى على إطاعة سيده أو من هو أكبر منه سنًا وفقًا لتقاليد اجتماعية ونصوصًا مُنزلة في الكتب السماوية تمّ اللجؤ اليها والعمل على التأثير بها في المجتمعات الصغيرة لتصبح طبعًا عند البشر، فهكذا يسهل تسيير الناس كما يريد الزعيم أو شيخ القبيلة حتى وإن كان هو على خطأ!
نحن شعبٌ نتباهى بالمظاهر دون الغوص في جوهر الإنسان وشخصيته، يسهل علينا رمي النفايات وبقايا الطعام من شباك السيارة، ويصعب علينا مثلًا تجميعها في كيسٍ مخصّص لها ورميها بالمستوعب... لأننا نرتدي ثيابًا أنيقة ولكن لا نتصرّف بأناقة! نوسّخ طرقات بلدنا والأحياء ولا نفكّر للحظة بالضرر اللاحق بالوطن وبالتالي بنا نحن أبناء هذا الوطن!

نحن شعبٌ تربّى على حبّ الذّات دون الآخر وحتى قبل زعيمه وقبل وطنه! فهو يعمل عند الزعيم فلان وينصاع لأوامره لأنه يقبض منه راتبًا ولأنه سيوظّف له أولاده ربما في الجيش أو قوى الأمن أو سيسعى ليُدخل ابنته في الجامعة... أو أو... أو سينتخب فلان لأنه دفع له ثمن أصوات العيلة "مئة دولار" وبأنه سيعبّد له أمام الدار أو سيسّهل له شراء سلاحٍ معيّن أو الحصول على رخصة حفر بئر وبأن الزعيم سيوصل لهم الكهرباء إلى البلدة، دون مراعاةٍ لتخطيطٍ أو لمؤهّلات ولا لمن هم بحاجة أكثر لوظيفة أو لخدمة... وهكذا تبقى المصلحة الشخصية فوق كلّ اعتبار! نحن شعب لم يدرك حقوقه وواجباته، فيتملق لتحقيق حقوقه ويتهرب من واجباته...

نحن شعب لم يدعونا نتّفق يومًا على أمرٍ سيادي، فإن كان سيحصل يَنبُت فورًا وبسحر ساحر حزب أو تيّار طائفي ليعارض... هو لا ينبت لوحده من المؤكّد بأن هنالك جهات مخابراتية ناشطة تسعى ليلًا نهارًا وتراقب وتتمحّص الأجواء من خلال عملاء الداخل اللذين عندهم مصالحهم الشخصية فوق كلّ اعتبار!

نحن شعبٌ مُستعمر بلقمة عيشه، بدوائه، بلباسه بصناعاته، فدول الخارج كلّها تستغلّنا للتحكّم بما ذكرت وبكلّ مستلزمات الحياة (دون ذكرها أو تعدادها) والدليل ما وصلنا إليه الآن فكلّ شيئ يتحكّم به سعر الدولار! ولا بإمكاننا شراء أية بضاعة أجنبية سوى بالدولار! زد على ذلك أيضًا في الداخل يتعامل التجّار مع الزبائن بتسعيرة الدولار! إذًا نحن مستعمرون ومدولارون والآن الحبل على الخناق... طبعًا هنالك مصالح شخصية عند السياديين الممسكين بزمام الأمور في البلد ومصالح من سهّل لهم ذلك... حتى وصلنا اإى ما وصل إليه الضفدع فكيف لنا الآن الهروب من هذا الغليان قبل القضاء علينا؟!

فمن الغباء أن بقينا نتحمّل كلّ هذه السخونة حتى كدنا نذوب من شدّتها... لا أنكر بأن هنالك قوى أساسية من نسيج هذا المجتمع كانت وما تزال تسعى للتوعية من خلال التظاهرات ضد الفساد والندوات التوعوية والتثقيفية، ولكن أسياد الدولة كانوا وما يزالون يفلّتون مليشياتهم لإسكات هذا النبض الذي يزعجهم، فالشعب لا يجب أن يصحى! هذا بمفهوم الفاسدين.

ليس بالأمكان تعداد كلّ بؤر الفساد فهذه الأمثلة تكفي كي أقول: بأن انعدام المواطنية والإنسانية هو تربية... وتهميش اللغة التي هي انتماء بحدّ ذاتها تربية، والسعي دومًا وراء المصالح الشخصية والفئوية هو تربية، وتعويد النفس على الانكسار والخنوع هو تربية، وعدم احترام النظام هو تربية وعدم الشعور بالانتماء إلى الوطن هو تربية،...

لم يعِ الجيل الصاعد بأن ليس له من وطنٍ ينتمي إليه سوى وطنه الأم... فالحسّ الوطني والإنساني، وترسيخ الانتماء للوطن وللغة تحديدًا، وشطب الانتماء الطائفي والمذهبي من ذاكرتنا، والتعامل مع البشر كبشرٍ فقط دون التدقيق في انتمائهم المذهبي، وتعويد النفس على الكِبَرْ دون الزحف أمام الزعيم والخضوع له، والترفع عن المصالح الشخصية والسعي لتحقيق المصلحة العامة هو تربية، والتربية الأهمّ هي: القتل والقتال من أجل التراب لأنه يحتاج لتربية في الغالب وطنية وعلى الأقل حماية للمواطنٍ ولترابِ الوطن ليأوي من عليه ويحتمي به... فمن أين تأتي بهذا طالما اساليب التربية أضحت انتهازية في الأغلب وعلى الأقل نفعية... فعلى الحكّام المستقبليين إعادة النظر في تنشئة الأجيال على حب القتل والقتال من أجل أن يبقى لنا وللأجيال الصاعدة وطنٌ يأويهم قبل أن تضيع هويّتنا.

منى جوخدار

الخميس 27 شباط 2020