­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

الـ«نيو» باسيل يستهدف الدولة العميقة لإطعام الوحش

أنطوان سعد

تؤكّد الأوساط القريبة من وزير الخارجية في حكومة تسيير الأعمال جبران باسيل أن الاستهداف المباشر الذي تعرّض له منذ بداية الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول الماضي، خصوصًا على مستوى الهتافات النابية واتّهامه بالفساد، ترك في نفسه أثرًا عميقًا وجارحًا. وقد تساءل عن سبب هذا الاستهداف ومن يقف وراءه، واعتبره ظالمًا لأنه يساوي بينه وبين سياسيين آخرين مشهود لهم باستغلال موارد الدولة منذ مطلع التسعينات لمصالحهم ومصلحة محاسيبهم الذين يؤمّنون لهم دوام التربّع على عرش النفوذ السياسي.

وبعد فترة صمت، لم تكن طويلة، قرّر الشروع في حملة لتجميل صورته، وقيل إن أموالًا طائلة قد رُصدت ودُفعت عبر عقود مع أحد التلفزيونات المحلية لتطوير أداء التلفزيون الذي يملكه التيار الوطني الحر. وبالفعل، ظهر الوزير باسيل في مقابلته التلفزيونية الأخيرة بصورة جديدة، حليقًا وبثياب عصرية "سبور" أنيقة، لا شك في أنها تستأهل ثمنها الباهظ. غير أن الصورة الجديدة اقتصرت على الشكل أما في المضمون، فقد غلب الطبعُ التطبّعَ مرة جديدة.

فقد حافظ باسيل على انتقاده للزعماء والأحزاب من تيار المستقبل والمردة والكتائب والقوات والوطنيين أحرار، على رغم عدم إتيانه على ذكرهم جميعًا في إطلالته الأخيرة، إذ على الأقل لم يسع إلى مهادنتهم ويحاول مدّ جسور نحوهم وإشراكهم في عملية التصدّي للانهيار الذي بدأ وأخذ يستفحل في نهش حياة اللبنانيين واستقرارهم ولقمة عيشهم وطبابتهم والخدمات التي يحتاجونها في حياتهم اليومية. ورغم فداحة عدم تحسسه للخوف الذي يعيشه اللبنانيون، يمكن فهم موقف باسيل على أنه يندرج في سياق المنافسة على السلطة. 

لكن الملفت للنظر والمثير للريبة هو استهداف باسيل وفريقه الممنهج للدولة العميقة ولكوادرها ولأشخاص ساهم حزبه بوصولهم. فنراه يمدّد لحاكم مصرف لبنان، بعدما انتقد مرارًا أداءه ورفض التمديد له، كي يعود جيشه الإلكتروني والأقلام الدائرة في فلكه وبعض الأبواق بتحميل الحاكم مسوولية الانهيار. هو وفريقه يوصلون قائد الجيش ثم ما يلبثون أن ينتقدوه في السر والعلن ويتوعدون بإقالته في أول مجلس وزراء للحكومة الجديدة، قبل أن يتولّى وزير الدفاع مهاجمة هذا القائد وتوجيه السهام الموذية إليه. والجميع يذكرون ردّ رئيس الجمهورية نفسه على سؤال الزميلين سامي كليب ونقولا ناصيف حول موضوع قائد الجيش. يساهم بوصول رئيس التفتيش المركزي كي يعود ويصطدم معه مرارًا ويهدد باستبداله. يقوم بمعركة بوجه الرئيس سعد الحريري لإيصال مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية كي يعود لاحقًا وبأدوات قضائية وأمنية وإعلامية إلى تهميش صورته ووصفه بالفاسد. هو يقوم بإيصال مدير المخابرات في الجيش قبل أن يطالب باستبداله.

يبدو الوزير باسيل من خلال هذا الانقلاب على الرموز التي كان له دور أساسي في تعيينها كأنه يريد أكباش محرقة كي يطعمها لما يعتبره "وحش" الرأي العام المنتفض الذي يسأل عن أسباب افتقار هذه الجمهورية الغنية. يطعمها الواحد تلو الآخر ظنًا منه أن إطعام الوحش هذا المقدار من الكوادر التي أوصلها مع فريقه، سيفتديه. 

وقد دفع تقديم هذه الأضاحي بعض المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كان باسيل في صدد تقديم أوراق اعتماد جديدة، تمامًا كما فعل الرئيس السابق أمين الجميّل في ربيع سنة 1984 وخريفه، عندما قدّم رؤوس رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، ورئيس الحكومة شفيق الوزان، وقائد الجيش إبراهيم طنّوس، والمدير العام للأمن العام زاهي البستاني ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أسعد جرمانوس، إلى الرئيس السوري حافظ الأسد في محاولة لاسترضائه.

غير أن الرئيس الجميّل لم ينجح باسترضاء الرئيس الأسد بل تعرّى بالكامل وخسر كلّ قدرة له على مواجهة محاولات تقويض الجمهورية اللبنانية فسقط قبل أن تسقط هي بعد سنتين بعدما رفع العماد عون الخطوط الحمر التي كانت تجنّبها السقوط الرسمي. كذلك الأمر اليوم مع باسيل الذي يبدو كأنه يحاول استرضاء الرأي العام عبر التضحية بعدد كبير من كوادر الدولة. بيد أن الانهيار الذي بدأ للتو سيبلغ حدودًا لن يشبع بعدها "وحش" الرأي العام الذي يزداد غضبه باطّراد بأي محرقة غير تلك التي تحجز مكانًا على طاولة الطغمة الأساسية.

كما برز أداء باسيل الملتبس في رفضه توزير وزراء سابقين، يتمتعون بصورة حسنة خصوصًا إذا كانوا من الموارنة، في حقائب أساسية في الحكومة التي لا تبصر النور رغم غرق السفينة السريع. وقد ذُكر مرارًا أنه تحفّظ عن هذا أو ذاك في وزارات العدل والخارجية والاقتصاد، حتى بدا للعديد من المراقبين أن باسيل يخشى أن تنجح الحكومة العتيدة في إنقاذ البلد من الغرق وهم أعضاء فيها، فيما هو خارجها.

هذا ما يحاوله أو يتجنّبه باسيل في وقت يسود فيه اعتقاد أن الثنائي الشيعي لا يسلّم أسماء مرشّحيه خشية أن تتألّف حكومة تواجه تداعيات الانهيار ومصائبه والحريري خارجها، فيتلقّى وحده مع الرئيس ميشال عون تداعيات انخفاض القدرة الشرائية إلى النصف -حتى الآن- وتزايد البطالة وفقدان المواد المستوردة والوقود والأودية وانقطاع الكهرباء...

أنطوان سعد

السبت 11 كانون الثاني 2020