سعد الحريري مكلّفًا غير مقيّد
بعيد اندلاع الثورة المطلبية في لبنان، صدر موقف أميركي مما يدور من مواجهات على الساحة البيروتية مفاده أن الولايات المتحدة تعارض أي استعمال للعنف لمواجهة الشارع وتحجم عن أي مساعدة اقتصادية عن لبنان قبل تشكيل حكومة ترضى عليها. ويعني هذا الكلام أن لا مفاوضات مع إيران لحلحلة العقد أمام تشكيل الحكومة، إلّا عبر الولايات المتحدة ومن ضمن سلّة المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي تشمل ما يجري في إيران فاليمن فسوريا فبيروت.
الموقف الإيراني تمّ التعبير عنه في الشارع الإيراني والعراقي حيث سقط العشرات من القتلى في الشوارع على يد حماة النظام، وكانت له ارتدادات محدودة في الشارع اللبناني عبر مواجهات حملت في طيّاتها رسائل مبطّنة كالتحرّك نحو الجميزة وعين الرمّانة بما ينطوي على أن المناطق المسيحية لن تكون خارج العنف إذا تطوّرت الأمور إلى الأسوأ.
القرار الأخير في محور المقاومة في إيران
سوريا تضرّرت اقتصاديًا من الانهيار في بيروت أما تأثيرها على الثنائي الشيعي فلم يعد يذكر. والسعودية أسيرة حرب اليمن والخطر الإيراني وتُبتزّ ماديًا من إدارة ترامب، فيما مصر والمنظومة العربية والخليجية في غيبوبة.
أما الروس فبالرغم من حضورهم القوي المستجد في المنطقة يعانون من تضارب المصالح بين الأفرقاء المتنازعين، إذ مقابل تحسّن العلاقة مع الأتراك والمصريين تتضارب مصالحهم مع أميركا وإسرائيل وإيران.
فبالرغم من تعاون روسيا مع إيران لتثبيت حكم حليفها بشّار في سوريا فهي تسمح لإسرائيل بضرب المواقع الإيرانية تكرارًا فيها، ولا تقف في الساحة الدولية سدًّا في وجه الحصار الأميركي لإيران.
أما تدخّلها في الساحة اللبنانية فمرهون بإذن مرورٍ أميركي يعارضه الكونغرس وهي تعاني بعد تدخّلها بليبيا مع حفتر من هجمة أوروبية وأميركية.
بنتيجة هذا الواقع الإقليمي والدولي المتشعّب، تُرك الحراكُ الثوري في بيروت وحيدًا يواجه الفقر من جهة والسلطة المتناحرة من جهة أخرى. وهي سلطة وجد القيّمون عليها في الحراك الثوري فرصة لتصفية الحسابات القديمة أو تحقيق المكاسب في المعادلة السلطوية.
خرجت القوات اللبنانية باكرًا من الحكومة وتركت التيّار الوطني الحر يتلقّى الضربات وحيدًا في الشارع، بعدما نكث جبران باسيل باتّفاق معراب، كذلك فعل سليمان فرنجية. أما وليد جنبلاط فأنقذته الثورة من حصار حزب الله للمختارة ومحكمة عسكرية على خلفية أحداث بشامون.
حزب الله واجه انتفاضة شيعية مطلبية داخل بيئته الحاضنة وهي لا تختلف عما يجري في بغداد وطهران فبدا مرتبكًا في بدايتها وصاغرًا لاحقًا بعد أن رسم حدود للمواجهة داخل بيئته بانتظار القرار الإيراني.
أسقط سعد الحريري حكومة باسيل الأولى بعد أن تأكّد أن حزب الله أعجز اليوم مما كان عليه في 7 أيار 2008، فوجد في ذلك فرصة للعودة إلى قواعده الحزبية وتحسين وضعيته في التسوية في النصف الثاني الأعرج من العهد.
عمد الرئيس عون إلى مناورةٍ استيعابية فسعى إلى التشكيل قبل التأليف محاولًا أن يخرج من زوبعة الثورة أقوى مما دخلها.
راوغ الحريري الخليلين لئلّا يؤلّف جبران حكومته، وسعى لإلزام الرئيس باستشارات نيابية غير مشروطة لئلّا تنشأ سابقة، بحيث لا تؤلّف حكومة بعد اليوم ولا يكلّف رئيسها إلّا بعد الاتّفاق على أسماء المشاركين بها.
وخيل للحريري أن يستخدم سمير الخطيب كحصان طروادة لفرض تعيين موعد للاستشارات الملزمة، فقبل ترشيحه من دون أن يصدر أي دعم له من المرجعية الدينية أو نادي رؤساء الوزراء السابقين، وربطت كتلة نواب المستقبل تأييدها له بتعيين موعد الاستشارات النيابية.
دعا الرئيس ميشال عون إلى استشارات نيابية يوم الإثنين، ورغم كلّ ما قيل حول وصول سمير الخطيب إلى الرئاسة الثالثة، فلا شيء يمنع أن تختلط الأوراق خلال الأربعة أيام المقبلة بما يحمل عودة سعد الحريري مكلّفًا غير مقيّد إلى رئاسة الحكومة. ويبدأ بذلك فصل جديد من تأليف الحكومة مع ما يعنيه ذلك من احتمالات تعثّر التشكيل وتأخّره.
في هذا الوقت يلعب الشعب الروليت الروسية، فيطلق النار على رأسه.
د. إيلي شعيا
الخميس 5 كانون الأول 2019