­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

إيران روسيا: النفوذ والمصالح تفرض التنسيق والاختلاف

د. خالد ممدوح العزّي

تشكّل سوريا نقطة حيوية بالنسبة لروسيا في الحرب الجيو-سياسية الجديدة التي تخوضها مع الولايات المتحدة خصوصًا بعد العقوبات الاقتصادية والمالية الذي فرضها الغرب عليها بعد محاولتها التضييق على أوكرانيا والهيمنة على نظامها السياسي التي تعتبرها العمود الفقري لروسيا ولمشروع الأوراسيا.

ومن هنا اتّجهت الأنظار الروسية نحو سوريا من أجل العمل على إحداث تغييرٍ في المعادلة الدولية ولعب دور جديد في المنطقة العربية ومن البوابة السورية هذا من جهة ومن جهة أخرى محاولة المقايضة بالملفّات، دخلت روسيا إلى سوريا بتفويضٍ دولي وبتصريحٍ من البرلمان الروسي "الدوما" لمدة أربعة شهور لكي تحسم الملفّ السوري لكن المدة تخطّت تصريح الدوما وأصبحت طويلة ولاسيّما في ظلّ غياب أي أفق في إطار التسوية السياسية.

الجميع يعرف بأن الاكتشافات الجديدة للغاز والنفط في دول شرق المتوسّط فتح شهية الجميع وخاصة روسيا القيصرية من أجل السيطرة على منابع الموارد الطبيعية التي تشكّل عصب الاقتصاد العالمي، الأمر الذي دفع بروسيا لقضم جزيرة القرم والتوجّه نحو سوريا لكونها تعتبر نفسها القوّة العظمى في مجال الطاقة والغاز أي بمعنى أنها معركة "الأنابيب الحمراء" التي لا تزال تشكّل صلب الصراع في التسوية السرّية المفقودة في سوريا.

روسيا غرقت في الوحل السوري بغياب رؤية استراتيجية لطبيعة الحلّ السياسي والدور القادم لموسكو فيها، وهذا ما دفعها للتمسّك بالنظام السوري الحالي لكونها ترى باستمراريته يؤمّن لها استمرارية النفوذ المطلوب في دولة سيطرت عليها أشباح الحرب، مما دفع بالكرملين لتبنّي نظرية التعامل مع "الأضداد" المتصارعة في سوريا والاحتفاظ بالموقع الجيو-سياسي ضمن خطّة مواجهة مع الولايات المتحدة في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص.

قدّمت روسيا نفسها على عكس توجّهات الولايات المتحدة الأميركية التي بنت نظريتها في التعامل مع الآخرين وفقًا لمبدأ جورج بوش الابن الذي صنّف العالم إلى معسكرين لذلك أطلق مقولته الشهيرة بأنه من ليس معنا فهو ضدنا.

فروسيا اعتمدت فلسفة الليبرالية في التعامل مع الأطراف واستيعاب الجميع وكذلك التحدّث مع الجميع من دون فيتو وفقًا لمصالحها الخاصة.

فهذه السياسية المتبعة سمحت لروسيا إقامة علاقات واسعة مع الأضداد بغض النظر عن الاختلافات والتوجّهات الضيّقة لهذه المكوّنات.

روسيا تحاول التحدّث مع الجميع وإيجاد صلات مع جميع المتناقضات المتناحرة، فكانت وما تزال تمسك عصا الحلّ في سوريا من الوسط، وبالرغم من موقف روسيا المبهم لطبيعة العلاقات بين الحليفين المتنافسين الذي يزداد صعوبة في تحليل الصورة السورية تبقى إيران من يعزّز وضعها الميداني في جنوب سوريا، بالرغم من كلّ الضغوطات التي تفرض نفسها على إيران، فإيران تعزّز وجودها في الجنوب السوري.

وبهذا المشهد تبقى الصورة غامضة ومبهمة من قبل الدولة الروسية في كيفية التعامل مع الوجود العسكري الإيراني الذي لا تزال روسيا بأمسّ الحاجة إليه في تنفيذ عملياتها الحربية وخاصة بعدم التمكّن من حسم المعركة في إدلب وريف حماة لغياب العنصر الإيراني الميداني عن المعارك تبقى الصورة معقّدة جدًّا وتدخل في زواريب خاصة تحاول روسيا تصوير نفسها بأنها القوّة المركزية في عاصمة الأمويين وصاحبة القرار السياسي وقرار الحلّ القادم، بالرغم من أن الأمور تنذر بالتعقيد والصراع القادم لحماية المصالح والنفوذ الخاصة للحليفين بظلّ تصاعد الإشكالات اليومية والسباق على الاستحواذ على عقود اقتصادية في سوريا.

لقد نسّقت روسيا دخولها إلى سوريا مع المتناقضات فكان الطلب الإيراني ساعد على التدخّل العسكري الروسي لمصلحة النظام حيث ظهرت صورة التنسيق في الميدان العسكري بين الحلفاء أثناء المعارك والتطهير والتنظيف من ناحية ومن ناحية أخرى الدعم في مجلس الأمن والمحافل الدبلوماسية في التفاوض وإيجاد المنصّات الإعلامية المختلفة لدعم الحملة الروسية والإيرانية.

ومن جهة أخرى بات التنسيق الروسي واضحًا بين دولة الكيان الصهيوني حيث بات قادة العدو يذهبون إلى موسكو بصورة مستمرة حيث زارها نتانياهو ١١ مرّة منذ التدخّل العسكري الروسي لسوريا حيث بات التنسيق واضحًا في زيارة نتانياهو في ٢٦ ايلول ٢٠١٥ وقبل الذهاب الى جلسة مجلس الأمن حيث نزل ضيفًا لمدة ٦ ساعات على الرئيس بوتين وأعطى الضيف الإشارة الإيجابية لدخول موسكو إلى سوريا ولكن بشروطٍ ثلاثة التزمتها روسيا حتى اللحظة وهي: "عدم فتح جبهة الجولان وعدم تسليم سلاح روسي حديث للجيش السوري في سوريا، وإقامة غرفة تنسيق بين قاعدة حميميم وتل أبيب برئاسة نائب رئيس الأركان في كلا الدولتين.

اِلتزمت موسكو بهذه الشروط خلال أربع سنوات وبل أكثر من ذلك من خلال النظر لمجريات الأحداث.

لكن الحدث الأخير في قمة القدس أدخل إسرائيل على خط ّ الأزمة السورية وطريقة حلّها من الباب الروسي بطريقةٍ مباشرة بعدما كانت تل أبيب لاعبًا في الظلّ وكأن روسيا تحاول إيجاد منصّة جديدة ترضي الولايات المتّحدة من خلال فرض القمة الثلاثية في القدس المحتلّة بين (الولايات المتّحدة وروسيا والكيان الصهيوني) تحت عنوان إخراج إيران وميلشياتها من سوريا رغم محاولة مسؤول الأمن القومي الروسي بتروشيف تشريع الوجود الإيراني والدفاع عن إيران.

لكن في الحقيقة موسكو تنافس واشنطن ودّيًا لحماية أمن الكيان الصهيوني بحجّة أن ثلث سكّان الكيان هم مواطنون روس ويحملون الجنسية الروسية، والتهدئة مع الكيان يساعد موسكو على بلورة حلّ سياسي يمكّنها من لعب دور ريادي في المنطقة.

وفي تحليلٍ سريع للخطوات الروسية فإننا أمام تحوّل سريع في العلاقات الروسية-الإيرانية بسبب الصراع على النفوذ الذي كان آخرها محاولة السيطرة على الأجهزة الأمنية السورية من الطرفين وتشكيل الألوية والوحدات السورية التابعة لكلّ طرف من الطرفين.

إضافةً إلى الصراع البارز بينهما للسيطرة على العقود الاقتصادية السورية "كالمرافئ والمطارات وشركات تنقيب الغاز، والسيطرة على المناطق التي تتميّز بثروات طبيعية."

فالخلاف الروسي الإيراني في سوريا يكمن حول طبيعة العلاقات القادمة بين الحليفين، فالضمانات التي تقدّمها موسكو لطهران في رعاية مصالحها الاقتصادية ونفوذها الإقليمي غير واضحة المعالم وغير كافية، لذلك لم يتّفق عليها مع الآخرين للدخول في التسوية القادمة.

ولكن من المؤكّد بأن الروس لن يقبلوا بإيران شريكًا منافسًا في مجال الطاقة وتصديرها للدول الأوروبية والغربية مهما كلّف الأمر، وهذا الخلاف الباطني يزيد من تسعير الخلاف القادم بينهما، وخاصة بأن روسيا تعلم جيّدًا بأن إيران بحاجة لها حاليًا في ظلّ المواجهة المتسارعة مع الولايات المتّحدة والغرب نتيجة الحصار والضغط والحصار الاقتصادي، مما يجعل روسيا أقرب إلى فرض شروطها مستغلّة هذا الوضع لكي تحقّق تقارب مع أميركا.

كاتب لبناني

د. خالد ممدوح العزّي

الثلاثاء 3 كانون الأول 2019