نجح أبو راشد في إخضاع قرّائه لما يشبه جلسة بوح
هشام تسمارت*
قالت العرب قديمًا إن أعذب الشعر أكذبه، وإذا نقلنا هذا "المعيار" من جادة الشعر إلى مجال النثر، يمكننا أن نزعم أن رواية "امرأة تلامس الخيال"، تجسّد هذا المبدأ النقدي، بعدما استطاع عمل ميشال أبو راشد الأدبي، أن يحقّق قدرًا كبيرًا من العذوبة، رغم انزياحه عن الواقع، وانفلاته من عقال الرواية التقليدية.
ولئن كان ميشال قد لاذ بهذا الفرار من الواقع، فلم يحكِ لنا في روايته قصّة صريحة يمور بها المجتمع، فإنه قادنا في المقابل صوب "ركام" من الأسئلة والتأمّلات واللحظات النفسية المُبهمة، وهذا الأمر مفهوم جدًا، لأن بطل العمل ليس في نهاية المطاف، سوى ريمون نصّار؛ الطبيب النفسي الذي يخضع عينة من النساء، لتجربة الفضفضة، حتى يصل إلى نقطة "الالتقاء بين الحقيقة والخيال أو ما يعرف بـ"الحقيقيال".
وبقليلٍ من الإسقاط، نجد أن ميشال وهو صحفي؛ حرص على أن تكون خلفيته المهنية حاضرة في العمل، ولذلك، جعل نغم هي الباحثة عن جواب للسؤال الشائك، وهو في ذلك، أي الكاتب، لم يدع الموضوع النفسي يمرّ من دون أن يشير إلى أسئلة لصيقة بمجال الصحافة من قبيل إمكانية الإبداع في المكتوب، في ظلّ السرعة الهائلة لإنجاز المقالات والملفّات التي يفترض أنها عميقة، فضلًا عن ضغوط رئيس العمل، وجدلية المفاضلة بين الكاتب الصحفي السطحي والكاتب الأكاديمي العميق (حوار العمّ طنّوس مع نغم في قسم الأرشيف.)
لكن ميشال لم يتوغل كثيرًا في حقل الصحافة حتى وإن اقترن هذا المجال بأحد الشخوص (نغم، فؤاد، طنّوس)، وسرعان ما سحب العمل مرة أخرى إلى حقل الفلسفة، من خلال مساءلة مفاهيم عدة من قبيل الحبّ والحقيقة، حتى وإن تباين "الحيّز الزمني" للرواية، أي بين المحطّة الأولى قبل نصف قرن، والمحطّة الثانية، في العام 2018.
ولعل أكثر انطباع يسيطر على القارئ، في هذه الرواية، هو أنه يجد نفسه، معنيًا بالأمر حين يعبر بعض مقاطع الرواية، فيتلقى المرء أسئلة تختبر شجاعته، وقدرته على التحدّي أو ما كان "تعريًّا مطلوبًا" بين ثنايا الرواية، وهكذا، استطاع ميشال أبو راشد، أن يخضع قرّاءه لما يشبه "جلسة بوح" في إحدى عيادات بيروت، حتى وإن لم يشربوا من إناء الماء المزخرف الذي خصّصه الطبيب لمرضاه حتى يطردوا عن أنفسهم الظمأ ومشقّة الصعود في السلم.
وتقتضي الأمانة أن نشدّد على أن خوض تجربة الكتاب، بمقدار يسير من الأحداث الواقعية المحسوسة، ليس تجربة سهلة، لكن ميشال نجح في أن يحفّزنا على التفكير في أشياء تبدو محسومة، لكنها تصبح أعقد عند مباشرة العمل، حتى أن المرء يجد نفسه في لحظات "جنون" وهو يتساءل حول جدية ما يدور حوله، وعما إذا كانت الحياة حياة، وما إذا كان ما يدور حولنا صادقًا إلى الدرجة التي نعتقد.
* كاتب وصحافي مغربي
هشام تسمارت
الجمعة 29 تشرين الثاني 2019