اِجتماع رؤساء الكتل النيابية المقرّر في الثاني من أيلول برعاية رئيس الجمهورية هو فرصة ثمينة يجب اقتناصها. يمكن لهذا الاجتماع أن يكون خطوة أولى على الطريق الصحيح، طريق الإنقاذ المالي والاقتصادي. صحيحٌ أن الاجتماع تأخّر عشرين سنة أو أكثر، لكن فائدته لا شكّ فيها إذا اتّفق رؤساء الكتل على خريطة مالية واقتصادية قابلة للتنفيذ، تنقل البلاد من ضفّةٍ إلى ضفّة. يجب أن يكونوا مستعدّين، قبل دخولهم إلى قاعة الاجتماع، لإبرام عقدٍ اجتماعي جديد بين السلطة والشعب، بموجبه يتنازل الممسكون بالسلطة عن كلّ الامتيازات والمنافع وعن المحاصصة في إدارة الدولة، ويقبل الشعب من جهته بتدابير مالية قاسية وغير شعبية. أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار أزمة المالية العامّة وتفاقمها، أن الطوائف المهنية لا تقبل بتقديم التضحيات المالية، والسلطة تتردّد أمام هذا الرفض وتتراجع حرصا على "شعبيّتها" و"شعبية" مكوّناتها. يجب أن يتّفق القادة قلبًا وقالبًا على أنهم مستعدّون لاحترام أخلاقيات السلطة وشفافيتها، بترفّعهم عن المصالح الخاصّة، وأنهم سيقرّرون مع الوقت خطوات جذرية لا ترضي الناس، لكنهم سيتضامنون ويتكاتفون لتنفيذها. لا إصلاح بلا ألم، وقد أثبتت تجربة إعداد وإقرار موازنة 2019 الباهتة أن تلافي الألم وتجنّب الاعتراضات الشعبوية يجهضان الإصلاح ويفرغانه من مضامينه. التقريران اللذان صدرا عن شركتي "ستاندرد أند بورز" وفيتش" في الأسبوع الماضي يثبتان أن الدولة اللبنانية لم تقنع الجهات الدولية، الحيادية، بأن موازنة العام الجاري هي بحقّ موازنة إصلاحية. ولو اختلفت الشركتان على درجة المخاطر التي نُسبت إلى لبنان فقد اتّفقتا على نقاط الضعف العضوية في واقع لبنان المالي والاقتصادي والمخاطر الآتية، إذا فشلت الدولة في تحقيق الإصلاح. سنترك تقرير شركة "فيتش" جانبًا طالما أنه اعتبر تقريرًا سلبيًا، ولنقرأ تقرير "ستاندرد أند بورز" الذي قيل إنه إيجابي لأنه لم يخفّض درجة لبنان، كما كانت الدولة تخشى وتتوقّع. فهل هذا تقرير إيجابي؟ تقول "ستنادر أند بورز" في تقريرها الإيجابي (!!!) إن ثقة المستثمرين بلبنان قد ضعفت بصورة جوهرية، كما يظهر من صافي تحويلات الودائع عامًا بعد عام، وإن ودائع غير المقيمين والمستثمرين الأجانب ستبقى حذرة حيال لبنان إلى أن تصبح الدولة اللبنانية قادرة على تجاوز الخلافات السياسية وتبنّي إصلاح هيكلي لخفض العجز وتنشيط الاقتصاد. وتوقّعت الشركة استمرار التراجع في احتياطات مصرف لبنان، التي تبقى قادرة على تلبية إقراض الحكومة وتمويل عجز الحسابات الخارجية لمدّة سنة. وإذ ذكّرت الشركة بأن قدرة الدولة اللبنانية على خدمة دينها تعتمد بشكلٍ واسع على قدرة القطاع المالي اللبناني على تمويله، وهي قدرة مرهونة بالتدفقات المالية من غير المقيمين إلى المصارف، نبّهت إلى أن نموّ ودائع المصارف تراجع تباعًا في السنوات الأخيرة، بل سجّل مجموع الودائع انكماشًا في شهر أيار الماضي، هو الأوّل من نوعه. توقّعت الشركة أن الاحتياطات بالعملات والذهب ستنخفض بمبلغ 5.5 مليار دولار بنهاية العام الجاري. أضافت "ستاندرد أند بورز" في تقريرها "الإيجابي" بأن معدّل النمو الاقتصادي سنة 2018 كان في حدود 0.3 بالمئة، ورجّحت أن يستمرّ الأداء الاقتصادي الضعيف في العام الجاري أسوة بالعام الذي سبق. ولفتت إلى أن الإقراض المصرفي للقطاع الخاص تراجع بنسبة 7 بالمئة على أساس سنوي آخر حزيران الماضي، بعدما تراجع بسبة 3 بالمئة سنة 2018. يرتقب التقرير أن يبلغ عجز الموازنة في السنة الجارية 10 بالمئة من الناتج المحلي، خلافًا لتقديرات الموازنة التي توقّعت عجزًا بنسبة 7.6 بالمئة من الناتج. شركات التصنيف ستراجع تقدير درجة مخاطر أوراق الدين والعملة اللبنانية بعد عام أو نصف عام، وربما قبل ذلك، إذا ما استجدّ جديد. الكرة الآن في يد رؤساء الكتل النيابية، ثم في الحكومة والمجلس النيابي. فهؤلاء سيختارون للبنان طريق الخلاص أو طريق السقوط.