الهوية تعني الانتماء
منى جوخدار
دخل مراهقٌ إلى دائرةٍ حكومية، نحيلُ القدَّ، أشقرُ الشعرِ، ذو عينين واسعتين بوسع حُلُمٍ لم يُدرِكْهُ بعدُ؟! بشرتُهُ ورديّةٌ لَفحَتْها شمسْ الجرودِ... ويداهُ تُخْبِران عن عمرٍ ناهزَ الثلاثين!!!!!! إذ أنَ آثارَ العملِ الشاقِ تُظهِرُ قساوةَ حياتِهِ...
تكلّمَ بصوتٍ خافتٍ، خائفٍ، متقطّعٍ متردّدٍ... وبنبرةٍ قاسيةٍ، ونبضاتِ قلبٍ متسارعة...
كان يشوحُ بعينيهِ يمينًا ويسارًا... إنها المرّة الأولى التي يقصدُ فيها دائرةً حكومية، كما أخبر...
سأله الموظّف بلطفٍ: ماذا تريد؟ وما هي مشكلتك؟
لا... لا... "ما بدّي شي... بس بدّي هوية باسمي لأنو حاجز الأمن سألني عن تذكرتي... ووووما سمحلي روح"...!!!
بهذه العبارةِ البسيطة شرحَ الشابُ طلبَه!!!
قام الموظف بالاهتمام به وإفهامهِ عن المستنداتِ المطلوبةِ لهذه الغاية وكيفية الاستحصال عليها، كما وجوب اصطحابِ ولِيّهُ الجبرِيَّ كونه لم يَبلغ سنَ الرّشْدِ بعدُ...
تتوالى الطلبات المُشابهة.... فالموضوع واحدٌ والمشكلة واحدة....، أما الأسبابُ فمتعدّدة!!!
إما خطأ أو سؤ نية أو احتيال أو غباءٍ من قبلِ مختار المحلّة... وإما جَهلٍ وغباءٍ من الوالدِ وإما لأنه "نسونجي" ومزواج... لا يعير اهتمامًا لأطفالهِ ولا لأم أطفاله مهما ناشدتُه في الأمر... فهي برأييهِ "شو بفهمها بهيك أمور الكلمة لرجال البيت" غايته في الحياة فقط إنجاب الأطفال من أكثر من إمرأة (بالحلال أم بالحرام)...!!! ولا ننسى الأخطاءَ الإدارية في الدوائرِ المعنية...
فكم من شابٍ أو صبية أو طفلٍ بعمر براعم الورود أهمِلَ قيدَهُم؟! ولم يعِ أولياء الأمور خطورة ما أقترفوه من إهمالٍ وتصرّفٍ أرعن فأي صراعٍ عاشه هذا الشاب أو تلك الصبية!! لو كان بإمكاننا سؤال وسادتِه أو ربما زاويةِ الدارِ أو خلفهُ تحتَ شجرةِ (الزنزلخت) حيث يركن مع ركوة القهوة وعلب السجائر، إذ مع كلّ سيجارة حلمًا يودّ إدراكَهُ من عملٍ أو علمٍ أو سفرٍ. أو ربما انتحاررررر!!!!! فأي أثرٍ نفسيٍّ سئٍ حَفِظَتْه ذاكرةُ هذا المحرومِ من انتمائهِ.... أو كرْهٍ لأبويه يبنيه في أحلامِه ويملأ به قلبه!!!! أي إجرامٍ قد يُقدمُ عليه في مجتمعٍ متفلّتْ من أجل كسبِ المال...
بالرغم من كلّ هذا، يروادني السؤالُ دائمًا: ماذا لو أصيبَ أحدُ المُهْمِل قيدهُ بمرضٍ عُضالٍ... فكيف سيتمّ علاجهُ في ظل فقرِ الوالد إذ ليس هنالك من مؤسّسةٍ ضامنة تعترف أو تتولّى تغطية نفقات استشفائه، فهو بالنسبة لها "مجهول الانتماء"؟!!! وكيف يكون شكلَ ضميرِ هذا الأبُ!!!!
قضيةٌ تضعُ أصحابَ الضمائرِ الحيّة في موقع خلقِ حلولٍ لها.... فخطورتها أبعد من حلم شاب فهي تتخطى حلم وطن...!!!
قضيةٌ خطيرة وعواقبها أخطر.... تعني أولًا الأب والأمَ معًا.... تعني مختارَ المحلّة الذي يرى فيه أهالي بلدتهِ (حلّال المشاكل) وهو بالكاد يجيد القراءة والكتابة "هكذا قال المختار"... ونقطة عَ السطر...
تعني الخلل الإداري الموجودِ أصلًا لحلِّ مثل هكذا قضايا.... ومن ثم الروتين الإداري، على الرغم من عدالة الحكّام وضمائرهم المتقّدة نزاهةً...
نعم يا سادة، من هنا تبدأ خطورة ما اقترفته أيديكم وقوانينكم وعدم درايتكم بهول القضية... إن جَهلَ من هو بهذا الموقعِ فتح البابَ على مصراعيه وأفسح المجالَ أمام المبْتَزينَ لجَهلِ وبساطة الناس... حتى أصبحوا لقمةً سائغة بين فكيّ كماشة الأشخاص الجشعين ومن كفروا بعرق المظلومينَ...
منى جوخدار
الإثنين 5 آب 2019