­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

المشحرجي

يوسف طراد

تحت خيمةٍ بجانب (كافة) شير نصف سقفها مغارة ونصفه الآخر (كشاح) استأذن أبو مصطفى عن متابعة حديث عادات القرى (بدّي دكّ المشحرة). لون ثيابه من لون تراب الأرض جميعه أسود سوى حديثه الشيق، إنه المشحرجي (صانع الفحم). لغة فأسه تُردّد صداها الوديان إنه نفس الصوت من عهد الفينيقيين الذين كانوا يفاخرون بالأرز الأزلى وحقيقة هيكل سليمان. يقطع الجذوع بهمة ونشاط وخبرة، فقد كان مهده نصف دائرة المنجل لعبته (المتلوت)الذي يُشحذ به حدّ المناجل والفؤوس. يُسمع صوت طقطقة الجذوع مستغيثة لكن صوت الجوع أقوى وأمضى. تتجمّع الأغصان المقطوعة بأطوال مناسبة نصف منحنية حول جذع متعادل القطر نوعًا ما في أعلاه وأسفله كأنه ملك رعية الحطب والعيدان. تساعد الحطبات بعضها بعضًا في تكوين هرم عجز عن هندسته البديهية أمهر المهندسين وكلّ واحدة تقول للأيادي الماهرة الآن دوري. أفضلية القرب من ملك المشحرة للجذوع الكبيرة ثم تأتي البقية حسب مكانتها، كالتراتبية في الحفلات الرسمية الوزراء يتصدّرون المجالس ثم المدراء العامون ثم... تُرصف الحجارة دائريًا حول المشحرة مكونة سدًا (للبرباص) أي أوراق الأشجار اليابسة التي توضع على الأغصان لمنع دخول التراب الجاف إلى داخل الهرم المخروطي فالتراب سيخفي الأوراق ويمنع دخول الهواء. تصبح جميع الأغصان والجذوع معقودة على ملك سيخلع عن عرشه بانقلاب جيشٍ من الجمر الذي يسقط بلهبه في أخدود عامودي من رأس المشحرة إلى أسفلها مكان الملك المخلوع. عندما يتيقن أبو مصطفى من حسن الاشتعال (يدك) المشحرة بتعبئة (القرامي) داخل الأخدود إلى أن تصل إلى الرأس ويضع الورق اليابس والتراب فوقها. تبدأ عملية الاشتعال البطىء وطرد الأوكسجين والهيدروجين من تركيبة السليلوز الخشبية ليبقى الكربون وحده المسيطر بصموده النحاسي الصوت إنه الفحم الذي يتحول فيما بعد جمر للمشاوي في المنازل والمطاعم.
سَهر أبو مصطفى عدّة أيام متواصلة أسفر عن مشحرة (مرنخة) فمحاربته للنعاس حال دون احتراق تعبه.
يوسف طراد

الأحد 2 حزيران 2019