­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

صغارٌ... في طريقهم إلى البلوغ

دارين الصايغ وزير

 يَحمِلون أقلامهم الرّصاصيّة ويشدّون عليها كي لا تهوى الحروف. يَخُطّون بثقةٍ خطوطًا لا يجب أن تتجاوز الأسطِر الجانبية. يربطون النّقاط ويشكلّون كلماتِهم بدقةٍ وإبداعٍ. يتأنّون في كتابتِهم لأن عملًا جبارًا قد استحوذ على تركيزهم واستحّق وقتهم بعد أن سبَقَتهم خطواتهم إلى ساحات اللّعب.
 كريمٌ، كان أكثرهم تأنيًّا ودقةً؛ حَمل قلمَه وبدأ بالكتابة مُصغيًا إلى الحروفِ المنسابةِ على الأسطُر. يخطٌّ حينًا ويتطلّعُ إليّ حينًا آخرًا. بدا وكأنّه يحاكي النّقاط؛ تسأله هي كي يُوصلها برفيقاتها فيرُّد قائلًا نعم سأفعل رويدًا رويدًا، نقطة بعد نقطة، ثم يعيدُ النّظر في عينيّ وكأنّه يقول أتحدّاكي بأنني سوف أُنجز الورقة كاملة.
 ثبَّت يده اليسرى على ورقته وراح يُدغدغ النّقاط مشكلًا حروفًا مرتبّة وواضحة تتراقص أمام عينيه. الوقت يمرّ من دون انتباه، فهو غارقٌ في إبداعه مركّزًا في نحت قطعته الفنيّة الّتي ستخولّه من حصد النجاح. بعدها قدّم لي الورقة وكأنّه على حلبة سباق؛ فارسٌ يقدّم فَرَسَه، واثق كلّ الثّقة أنّ ما أنجزه هو أفضل ما لديه وهو في انتظار التقييم للحصول على جائزة أو على ميدالية.
 كريمٌ قدّم ما لديه من قدرات في الفهم والترتيب والتقيد بالوقت، قدّم خطًا جميلًا. نظرتُ في عينيه البنيّة ورتبّت على كتفه اليمنى وقُلتُ "أحسنت، أحسنت يا صغيري". إبتسم وحصل على جائزته وراح يسابق غيره في الاصطفاف استعدادًا لوقت اللّعب.
 ما ينتظروه هؤلاء الصغار، أصحاب القدرات الكامنة، كلمة تشجّعهم على المثابرة وتخلق لهم جوًّا من الأمان، لا يريدون كلمات عاصفة وجارحة ومخيّبة لآمالهم. هم صغارٌ، بذور الحياة، إن أهملنَاهم لن يُنبِتوا خَضَارًا ولن نجنيَ الثَّمر.
 المؤلّفة التربوية اليزابيث بانتلي تقول "أن ننصت جيّدًا إليهم فالأبناء يَنمُون ويتألّقون، ويريدون من يستمِع لهم بصدِق... امدحهم وشجّعهم كي تُعطي أبناءك دفعةً إيجابيةً".
 تعتبر المرحلة العمرية الأولى حتى الثمان سنوات، حسب خبراء التربية، من أخصب المراحل العمرية التي تنعكس على حياة الطفل في مستقبله؛ صحّ المثل الذي يقول "من شبّ على شيءٍ شاب عليه". فإن زَرَعنا الثّقة في نفوس أبنائِنا، سنحصدها في نجاحاتهم، وإن عَمِدنا إلى تشجيعهم وأثنَينَا على نجاحهم وقمنا بحثّهم على الإستمرار، سنكون قد زوّدناهم بقيمٍ تبقى معهم طوال الحياة وأمنّا لهم نوعًا من الاستقرار في حياتهم المستقبلية.
 إلى جانب اتباع آليات التعامل الصحيحة إنّه لضروريٌّ التفكير بنوع التربية الّتي علينا أن نقدّمها لهم من ناحية تطوير مهاراتهم اللّغويّة والإدراكيّة والحركيّة والحياتيّة كتعليم الكتابة وتحسين الخط والعزف على آلة معينة أو ممارسة نشاط فني، كذلك تعليمهم إبداء الرأي وأسلوب الحوار وقبول الرأي الآخر. فمع اكتساب المهارات، يصبح للأبناء قُدرة على العطاء ويتمكّنون من خلال التّطور الإنساني أن يكونوا أفرادًا مُنتجِين في المجتمع على حدّ قول الدكتورة ثائرة شعلان استشاري عمل الأطفال بمنظمة العمل الدوليّة.
 فهل من سببٍ يُتخّذ في حق الطفولة يمنعنا من تقديم المثيرات البنّاءة لمساعدة أطفالنا في عبور طريقهم إلى البلوغ؟ وهل سنتمكن من حمايتهم قبل فوات الأوان؟ فلنذكر دومًا قول البسطامي: "لا تهملوا البذر لتجنوا أطيب الثمر".
دارين الصايغ وزير

الأحد 3 شباط 2019