العربيّة مرآة فِكرِها وصدى نبضه
د. مُحسن التليلي*
ما من شكّ في أنّ العربيّة قد أثبتَت بامتياز ثقافيّ وجماليّ مُبهر أنّها لغة عريقة ذات أصول لسانيّة راسِخة وأشكالٍ وفنونٍ تعبيريّة وخطابيّة زاخِرة بأساليب الفصاحة والبلاغة والتأثير في كلّ مجالات الحياة المادّيّة والروحيّة والرمزيّة ممّا أهّلها لتكون رافعةً فكريّة متينة لمسيرتَيْ الحضارتَين العربيّة والإسلاميّة، وإضافةً مُغنية لإبداع الحضارة الإنسانيّة على مدى عصورٍ طويلة.
لقد واكَبت العربيّة لغةً أُمًّا وجود الإنسان العربيّ في ظواهره كافّة، وحفظت للإنسانيّة ذخائر من ألوان ثقافته وفكره في أساليب إنشائيّة ظلّت عنوانًا مميّزًا لأعراف مجتمعه وتقاليده وأنماط عيشه ومنظومات قِيَمه في شبه الجزيرة العربيّة ومجال امتدادها. أمّا بعد الإسلام، فقد ترسَّخ اللّسان العربيّ في أرضه وأشعَّ خارجها في كلّ اتّجاهات العالَم بفضل الحدث القرآنيّ الذي مثّل تحوّلًا مُبهرًا في تاريخ الجزيرة وجوارها. فقد نزل القرآن عربيًّا مُعجزًا في لفظه ومعناه، ومَنَحَ اللّغةَ الأمّ حقلًا أرحب لتنمية فصاحتها وترسيخ لسانها وحثّ الناطقين بها من العرب ومن المسلمين غير العرب على حفْظها في أصول مُحكَمَة مثّلت عامل إذكاء لتفتّق الفكر العربيّ شعرًا وخطابةً ورواية، تفسيرًا وتأويلًا وفقْهًا، زهدًا وتصوّفًا وكَلامًا.
ففي ظلّ العربيّة وحضنها القرآنيّ، نبغَ الفكر العربيّ والإسلاميّ في العلوم الدينيّة وفي الأدب والتاريخ والفلسفة والسياسة والفنّ والطبّ وغيرها من فروع المَعرفة الإنسانيّة، وتطوَّر لسانه حتّى ارتفعت منزلتُه، وأشعَّ في اتّصالٍ جدليّ حميميّ بسياقه الاجتماعيّ والثقافيّ المتطوّر.
ولا شكّ في أنّ العلاقة بين الفكر واللّغة ضمن مُنافَسة الأولويّة، التي طرحتها المقالات الفلسفيّة، قد منَحت اللّسان العربيّ، مع تطوّر مفهوم اللّغة الأمّ بتوسّع مجال الحدث الإسلاميّ، فرصةً تاريخيّة نادرة ونوعيّة للإشعاع والتألُّق خارج الفضاء العربيّ التقليديّ في اتّجاه أُمَمٍ وشعوبٍ وحضارات ذات أرصدة عريقة، كالفضاء المصريّ والشمال الإفريقيّ والأندلسيّ غربًا، والفضاء العراقيّ والفارسيّ والهنديّ شرقًا، وقد فتحَ هذا التمدُّد الجغرافيّ والثقافيّ الإسلاميّ أمام اللّسان العربيّ مجالات إضافيّة رحبة للانتشار الكثيف والتفاعُل الخصيب مع ألسنة وأفكار وثقافات مُشبَعة بأشكال الذوق وفنون التعبير، منحت العربيّة كما ولّدت منها أصنافًا وألوانًا مُحدثة من آليّات الاصطلاح والفهْم والتأويل.
العلاقة المشروطة بين الازدهار اللّغويّ والفكريّ
لقد نجحت العربيّةُ لغةً أمًّا عريقةً، زمن ازدهار إنتاجها الفكريّ، في استيعاب ما أفرزته التغييرات الاجتماعيّة والثقافيّة الإسلاميّة من إبداعات الفنّ والأدب والحِكمة والعِلم والصنعة، ووسّعت من دائرة تعبيرها وأساليبها لتُبدع ألوانًا طريفة من أنماط القول والكتابة، برزَ أثرُها كبيرًا في تطوير مجال لسانها عبر اتّساع دائرة مَعاجمها واختصاصها، ونموّ رصيد مصطلحها وتطوّر مفاهيمها ومناهجها في صِيَغ طريفة مُحدثة تقبل التنوّع والاختلاف والتعدّد أصلًا من أصول أوضاعها الثقافيّة والإنسانيّة النامية.
كان هذا شأن اللّغة الأمّ خلال نقلتها النوعيّة في علاقة بازدهار فكرها وتفاعله المخصب مع تحوّلات عصره وما صنعه لنفسه من أُفق رحب وإشعاع حيويّ للتعبير والتنظير والترجمة والابتكار خارج السياقات المألوفة، وما حمله لثقافات الأُمم والشعوب المُجاورِة والبعيدة من ثمرات الثقافة العربيّة الإسلاميّة، حتّى أصبح اللّسان العربيّ مادّة مطلوبة ومنقولةً خارج فضائه التقليديّ شرقًا وغربًا ومحور اهتمام الشعوب والثقافات الإسلاميّة غير العربيّة تتعلّمه وتنافس فيه وتبتكر وتنظّر بما أفاده لغةً وحضارةً وأغنى إسلامه دينًا وفكرًا وثقافةً.
ولكن من المفارقات التي باتت تشدّ الناظر في واقع العربيّة اليوم – وهي لغة أمّ تلقى الاحتفاء والتكريم من منظّمة الأُمم المتّحدة يوم الحادي والعشرين من شهر شباط (فبراير) من كلّ سنة – أنّها أصبحت في وضع لا تُحسَد عليه في مجتمعاتها ولدى الناطقين بها لأسباب كثيرة، منها تنامي استخدام اللّغات العامّيّة واللّهجات المحلّيّة في مجال التواصل الاجتماعيّ وخدمات العيش اليوميّ وفي إنتاج الفكر والفنّ والإعلام، وضُعف السياسات الرسميّة للدولة القُطْريّة التي ظلّت في بَرامجها تشتغل على محو الأمّيّة ونشْر أبجديّات القراءة والكتابة على حساب جودة التعليم وكفاءته ومَهارته بما فيها كفاءة اللّغة ومهارتها تعبيرًا شفويًّا وكِتابيًّا في انسجامٍ مع قِيَم العصر ومَعارفه، وازدياد ظاهرة الانقطاع عن التعليم وتراجُع نِسب التمدرُس تحت ضغط تقاليد الأمّيّة، بخاصّة في المناطق الريفيّة والبدويّة التي ظلّت في أغلبها مُهمَّشَة وذات مشاغل رعويّة وزراعيّة بدائيّة، وفي أوساط الفئات الهشّة من النساء والأطفال الّذين ظلّوا يمثّلون مخزونًا للمُجتمع الذكوريّ المتسلّط يضمن له الإنتاج ومُمَارسة النفوذ والسيادة.
في مثل هذا الواقع الاجتماعيّ العربيّ الصعب، تحوّلت العربيّة لسانًا للخاصّة ولخاصّة الخاصّة من المُبدعين والمُختصّين، ولغةً للمَراسم والخُطب، وللاستعمال في مَنابر بعض الهيئات والمنظّمات الإقليميّة والدوليّة اعتبارًا لكثرة المُنتمين إليها عددًا، ومُراعاةً لحجْم بعض دُولها وتأثيرها في السياسة الدوليّة، بخاصّة في مجالَيْ الطّاقة العالَميّة والأمن الإقليميّ.
اللّغة العربيّة والعصر
لكنّ واقع الحال اليوم يؤكّد موضوعيًّا أنّ اللّسان العربيّ ليس مُواكِبًا لمتطلّبات العصر وإبداعاته، بخاصّة في مجال التعبير عن التقنيّات المتجدّدة والعلوم الدقيقة ومَناهج البحث والتنظير وآليّات الاكتشاف والاختراع في المَيادين الاستراتيجيّة والمستقبليّة، كالاتّصال البصريّ والتواصل الرقميّ وخزْن المُعطيات وتوظيفها، وفي الفضاء والبحار والحياة والأرض والطّاقات البديلة. هذا التقصير لا تتحمّل مسؤوليّته اللّغة وحدها بل كذلك فِكرها العاجز عن اقتحام تلك المَيادين، فضلًا عن مواكبتها أو استيعابها أو الإبداع فيها، وهو عجز لا يطاوِل العلوم الصحيحة والتقنيّة فقط بل الفنون والآداب والإنسانيّات والأديان أيضًا.
ومن أهمّ ما يشدّ الانتباه في ظاهرة تراجُع استخدام اللّغة الأمّ، قراءةً وفَهمًا وفكرًا لدى الناطقين بها وانعكاسها السلبيّ على بناء الشخصيّة العربيّة وضبْط هويّتها، ظهور فئات اجتماعيّة واسعة - من ضمنها مثقّفون وحتّى مختصّون في العلوم الدقيقة - عاجزة عن حذق أصول لغتها مُسلِّمةً أمرها لشرائح اجتماعيّة/ دينيّة وسيطة، فقهيّة وتفسيريّة وخطابيّة ودعويّة وإفتائيّة، متمكّنة من اللّسان العربيّ تتولّى قراءة القرآن ونصوص الإسلام بدلًا منها بأساليب لغويّة وأنماطٍ فكريّة مُتقَنة أبدعها القُدامى في سياق احتياجات عصرهم، لكنّها لم تعُد بالضرورة صالِحة لمُواكَبة إبداعات الفكر المُعاصِر وقِيمه الجديدة. وتشتغل هذه الشرائح الوسيطة وتنشط لفائدة تلك الفئات الاجتماعيّة الواسعة التي باتت اليوم في شبه عجز عن فهْم أصول اللّسان العربيّ في سياق متأزّم سياسيًّا واجتماعيًّا يشهد تدفّق الأيديولوجيّات وكثرة الجماعات الدينيّة التي تعمل على توظيف اللّغة في الخطاب الدينيّ لتسريب الفكر المتشدّد وتكفير الدولة والمجتمع. وإزاء هشاشة البَرامِج والمَناهج التعليميّة الرسميّة الّتي كان يُفترَض أن تقوم على تنمية قدرة اللّسان الأمّ، قراءةً وتعبيرًا وكِتابةً، وملكة التفكير تحليلًا ونقدًا واستنتاجًا، وهندسة المفاهيم إبداعًا وتمثّلًا وتجاوزًا، والإقبال على الحياة عَزمًا وإرادةً وفِعلًا، تجد الفئات الشبابيّة في المجتمعات العربيّة نفسها بلا حصانة فكريّة في مُواجَهة آلة تأويل لغويّ وشحْنٍ خطابيّ وعقائديّ رهيبة تحترفها الجماعات الدينيّة للهَيمَنة والانتشار.
ولعلّ من أبرز الأمثلة الّتي يمكن أن نسوقها عند إثارة هذه المسألة الإشكاليّة، التي باتت تهزّ أمن المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، ما يتّصل بتأويل لغة القرآن لتبرير عمليّات الانتحار وقتْل الأبرياء تحت عنوان الشهادة في سبيل الله. شهادة يتمّ تحويل وجهتها وتوظيفها لنشر القتل والدمار وإرهاب الناس بهدف إنجاز غايات سياسيّة يكون ثمنها دفْع الشباب غير المتمكّن من لغة القرآن ومن سياقها النصّيّ والتاريخيّ إلى قتل النَّفْس التي حرَّم الله إلاّ بالحقّ في قوله ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرّمَ اللهُ إِلاَّ بالحَقِّ﴾ في آيتين مكرّرتَين: الآية 151 من الأنعام/6، والآية 33 من الإسراء/17، وقوله ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمَا﴾ النساء 4: 29.
إنّ المُغالَطة اللّغويّة والتأويليّة لدى جماعات الإسلام السياسيّ تتمثّل في اعتقادهم أنّ قتل النَّفْس جهادٌ في سبيل الله وذَوْدٌ عن الإسلام وعملٌ على نشره ونصْرته، مرجعهم في ذلك آية ﴿الَّذينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سبيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ التوبة 9: 20 مُستندين إلى فَهم لغويّ وعَقَديّ توقيفيّ لا يُراعي تطوّر الأوضاع التاريخيّة والثقافيّة وانتشار القِيَم والمبادئ والحقوق الإنسانيّة في المجتمعات المُعاصِرة، وفي مقدّمتها قيمة الرحمة الإلهيّة بالإنسان التي يتميّز بها الإسلام، متجاهلين أسباب نزول الآيات وسياقاتها وحاجة مُسلم اليوم إلى الارتقاء بإيمانه إلى منزلة روحيّة سامية تعلو به عن الخصومات الدنيويّة واختلافاتها السياسيّة البغيضة.
لقد بات المعجم اللغويّ الدينيّ في الإسلام الجهاديّ اليوم مُستمَدًّا من قراءة أيديولوجيّة موجِّهة للقرآن والسنّة والسلف - وحتّى من توظيف الاصطلاح كالإمامة والخلافة والتسميات والكُنى كأبي قحافة وأبي الدرداء - مُسقَطة في غير سياقها الثقافيّ من أجل إثارة الحميّة الدينيّة في نفوس الفئات الاجتماعيّة "الجاهلة" بلغة النصّ القرآنيّ ومقاصده الإنسانيّة النبيلة، على الرّغم من وضوح معناها في الكثير من السياقات. فالقرآن قد حسم في بيان لغويّ مُبهر حرّيّة الناس واختلاف معتقدهم ودعا إلى تعارفهم في قوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ الحجرات 49: 13، وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ المائدة 5: 48، ومن مظاهر هذا التنوّع والاختلاف والابتلاء حرّيّة المعتقَد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِي﴾ الكافرون 109: 6، سواءٌ كان إيمانًا أو كفرًا ﴿فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الكهف 18: 29، انطلاقًا من أنّ مسؤوليّة كلّ اختيار في الحياة الدنيا فرديّةٌ يتحمّلها الفرد وحده ولنفسه 45 ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنفْسِهِ ومَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الجاثية 45: 15، وأنّ محاسبته أمام الله فرديّة أيضًا ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا﴾ مريم 19: 95.
إنّ الإنسان الحُرَّ في فكره وإبداعه وحده قادر على امتلاك لغته وفهمها وتأويلها في مُراعاةٍ موضوعيّة لضرورة التفاعل مع تجربة الحياة الإنسانيّة، وإنّ اللّغة العربيّة الأمّ التي كانت وما زالت محرّكَ الإبداع العربيّ ونبراس ثقافته العريقة لفي جدل حينيّ مع فكرها؛ فكلّما خبا الفكر وتراجَع واهتزّ، خَبَت لغتُه وتراجعت واهتزّت؛ وكلّما تجدَّد وتطوَّر ناشِدًا أُفقَ التألّق، علَت مَنارته اللّغويّة مشعّةً إلى أبعد مدى مُمكن.
*أستاذ تعليم عال -جامعة سوسة/ تونس
د. مُحسن التليلي/مؤسّسة الفكر العربي-أفق
السبت 2 شباط 2019