إتفاق القاهرة وتراجيديا «لبنان الكبير»
د. أمين الياس
من غير أنْ يعلم ربما، قد يكون الكاتب والباحث أنطوان سعد افتتحَ من خلال كتابه مسؤولية فؤاد شهاب عن اتّفاق القاهرة مئويَّة "لبنان الكبير"، وما سيستتبعها من نقاش حول تراجيديَّة هذا الكيان الوليد. اختار سعد اتفاق القاهرة مُعيدًا قراءته بالوثائق والأدلَّة والبراهين والحجج، ومُحاولًا تقديم رواية جديدة خارجة عن ما كنّا ألفناه حول هذا الاتفاق.
مُستعملًا كلّ ما اختبره في الصحافة من تقميش وتوثيق ومطاردة الوثائق غير المنشورة واستنطاق شهود العيان، حاول أنطوان سعد أنْ يؤرّخ لمرحلة تُعدُّ من أشدّ مراحل لبنان التاريخيَّة دقّة وخطورة. نازعًا عن الرئيس شهاب طوباويَّة لطالما أغدقها عليها المراقبون والباحثون، يلقي انطوان سعد باللوم على شهاب في إبرام اتفاق القاهرة في العام 1969 وكأنه يحاول تبرئة من يعتبره "ضحيَّة اتفاق القاهرة" ألا وهو الرئيس شارل حلو.
لنحاول باختصار استعادة عناصر الرواية الجديدة للكاتب أنطوان سعد. التاريخ المفترق هو حزيران 1967 حيث شهدنا هزيمة الجيوش العربيَّة أمام الجيش الإسرائيلي خلال ستة أيام. بهذا الحدث سقطت إلى لا رجعة هالة جمال عبد الناصر الذي عُرف بقدرته على سحر "الجماهير العربيَّة". بسقوط الجيوش العربيَّة سقط كلّ أمل بقدرة الأنظمة العسكريَّة العربيَّة على تحرير فلسطين. هنا كان توجّه الفلسطينيّين في الشتات للتسلّح ومحاولة تحرير فلسطين بسواعدهم، الأمر الذي تجسّد باستبدال أحمد الشقيري بياسر عرفات على رأس منظمة التحرير الفلسطينيّة. طبعًا ما كانت الدول المحيطة بفلسطين المحتلَّة، أي مصر وسوريا، لتقبل بتسليح الفلسطينيّين بما يشكل تهديدًا لأمنها، فكان أنْ حاولت التنظيمات الفلسطينيَّة أنْ تفرض أجندتها أولًا على الأردن، فكان أيلول الأسود في العام 1970 مصفّيًا الوجود الفلسطيني المسلّح في المملكة الهاشميًّة، لترتدّ هذه التنظيمات بدعم من الدول العربيَّة، وخاصَّة مصر وسوريا ودول الخليج، إلى لبنان مستفيدة من جوّ الحريَّة والتعدديَّة ومن ضعف بنيته المجتمعيَّة. كلُّ هذه الدولة العربيَّة أغدقت السلاح والمال والدعم الدبلوماسي والسياسي للتنظيمات الفلسطينيَّة بدافع أنْ يتركّز العمل الفدائي الفلسطيني في لبنان بما يجنّبهم كأس التخريب الفلسطيني وردّة الفعل الإسرائيليَّة. كان دعم العرب لهذه التنظيمات هروب ورمي بحمل كلّ القضيَّة الفلسطينيَّة وفشل السياسيَّة العربيَّة على ظهر هذا البلد الصغير الذي كان الواحة الوحيدة للحريَّة وللتنوّع في هذا الفضاء العربي الغارق في غروبه.
في لبنان، ومنذ تبوّء الرئيس فؤاد شهاب مقاليد الرئاسة العام 1958، أجرى تسوية مع جمال عبد الناصر مفادها التالي: يسير لبنان عربيًا وخارجيًا بالسياسة التي يقرّرها عبد الناصر، على أنْ يقوم هذا الأخير بعدم التدخّل في الشأن الداخلي اللبناني مستفيدًا من مونته على القيادات والمرجعيَّات الإسلاميَّة والرأي العام الإسلام (أو ما يُعرف بالشارع الإسلامي)، خاصَّة السنّي منه، لعدم إثارة البلبلة في لبنان كما حصل عام 1952 وخاصَّة عام 1958.
سقط مفعول تسوية شهاب-عبد الناصر في حزيران 1967. كان من نتائجها داخليًا، أولًا: هزيمة الشهابيّة في انتخابات العام 1968 النيابيَّة تمثّلت بنجاح الحلف الثلاثي إده-شمعون-الجميّل (مدعومًا من الرئيس حلو، المفترض به أنْ يكون ضمن النهج الشهابي الذي أوصله إلى سدّة الرئاسة)؛ وثانيًا بتفشّي السلاح الفلسطيني في لبنان وتكاثر أعداد الفدائيّين الفلسطينيّين، وانتقال مركز قوّة التنظيمات الفلسطينيَّة ومنها "فتح" إلى لبنان. من النتائج الداخلية أيضًا انجرار الرأي العام الإسلامي ضمن موجة الخيبة العربيَّة التي لم تجد تعويضًا لها ولكرامتها إلَّا في بندقيَّة وكوفيَّة الفدائي الفلسطيني.
يُظهر أنطوان سعد الهلع الذي أصاب "النهج الشهابي" من إمكانيَّة خسارته للحكم. لم يكن هناك من سبيل لاستعادة زمام الأمور إلَّا بتحقيق انتصار في انتخابات 1970 الرئاسيَّة يتمُّ من خلالها انتخاب الرئيس فؤاد شهاب من جديد رئيسًا للجمهوريَّة، أو أحد الشهابيّين، لمحاولة إعادة الامور إلى نصابها. وإذا كان الرأي العام المسيحي قد صوَّت ضدّ النهج الشهابي في العام 1968 ولمصلحة الحلف الثلاثي، فهذا يعني أنَّه لم يعدْ أمام النهج وساعده الأمني المتمثّل بالشعبة الثانية إلَّا محاولة استرضاء القيادات الإسلاميَّة والرأي العام الإسلامي من أجل كسب المعركة الرئاسيَّة. أمّا السبيل إلى هذا الاسترضاء فكان التراخي مع التنظيمات الفلسطينيَّة وصولًا إلى حدّ دعم هذه التنظيمات بالمعلومات والأسلحة واللوجستيَّات؛ هذا التراخي الذي كان من نتيجته اتّفاق القاهرة العام 1969 الذي كان إعلان نهاية لبنان الذي عرفناه.
كلّ الرواية التي حبكها الباحث أنطوان سعد، مستندًا على وثائق ووقائع وشهادات، تقوم على تحميل الرئيس شهاب "ذنب" و"خطيئة" اتفاق القاهرة، وعلى فكرة أنَّ المكتب الثاني وقع بـ"التجربة" حين تراخى أمام الفلسطيني لـ"يرشو" – والتعبير لسامي الخطيب – القيادات والمرجعيَّات الإسلاميَّة والرأي العام الإسلامي من أجل الوصول من جديد من السلطة. حتّى أنَّ رغبة سعد بتصدير كتابه بعنوان "مسؤولية فؤاد شهاب" ليست إلَّا تعبيرًا وتوكيدًا على هذا الأمر. غير أنَّ المتمعّن بالرواية السعديَّة يجد نفسه أمام رواية أخرى، "رواية ظل" إنْ صحّ القول، مُتضمّنة في هذا الكتاب. لا بل أنّه يمكنني القول أنَّنا مع انطوان سعد نخوض متعة قراءة، تصل بنا إلى حدّ المغامرة، كتابَين بحثيَّين وروايتَين وخُلاصتَين. الرواية الأولى وخلاصتها القائلة بمسؤوليَّة الرئيس شهاب والشهابيّة والمكتب الثاني عن اتفاق القاهرة في العام 1969. ورواية ثانية لن أتردّد بترسيم معالمها في الجزء الأخير من هذه المقالة.
لكن يبدو أنَّ أنطوان سعد، على رغم حبكه لرواية تاريخيَّة محكمة، يعود للإقرار في مكان من كتابه على الاعتراف بأنَّ الشعبة الثانية كانت تحاول "إمساك العصا من الوسط والسعي إلى ضبط الواقع الأمني المتفجّر من دون الوصول إلى درجة استنفاره في هذا الحين إلى الذروة، والمخاطرة بإثارة حفيظة الرئيس جمال عبد الناصر الميّال بوضوح إلى مراعاة الفدائيين، آملة ان تعيد الإمساك بالوضع بعد الانتخابات الرئاسية في صيف 1970". (ص 90).
فجأة نجد أنفسنا مع سعد، الذي عَنوَنَ كتابه بمسؤوليَّة شهاب، أمام لوحة تصوّر شهاب ضدّ اتّفاق القاهرة، فنجده يعتمد على شهادات من ضباط المكتب الثاني من مثل الخطيب وجان ناصيف لوصف "استياء" الرئيس شهاب الشديد من هذا الاتفاق، و"أزمة الضمير" التي عانى منها عند توقيعه محاولًا بشتى الطرق الضغط على مجلس النواب لرفض الاتفاقية. ثم نراه يورد في هامش كتابه حرفيًا المذكرات غير المنشورة للضابط فرنسوا جيناردي والتي مفادها أنَّ الرئيس شهاب لم يكن يفهم "ما هو هذا الجنون الناتج من عدم كفاءة بعض الحكام في لبنان، والناتج أيضًا عن انانية وعدم فهم بعض من الطوائف [اللبنانية]".
فإذا كان شهاب هو المسؤول عن اتفاق القاهرة فكيف يكون مستاءً منه ومحاولًا عدم تمريره في المجلس؟ وإن كان هدفه، كما يحاول سعد إفهامنا، استرضاء المسلمين ليعود إلى الرئاسة في العام 1970 فكيف يفسّر سعد عزوف الرئيس عن هذه الانتخابات في العام 1970؟ وكيف نفسّر قبلًا رفضه تجديد ولايته نهاية العام 1964؟
ثم يعود أنطوان سعد في نهاية كتابه ليقول لنا بأنّ الرئيس شهاب لم يكن موافقًا على هذا الاتفاق: "في اعتقادي، لم يكن الرئيس شهاب موافقًا باعتباره اعتداءً صارخًا على السيادة اللبنانية وينذر بعواقب وخيمة على لبنان وأمنه واستقراره في المستقبل القريب آنذاك، وبالنسبة إليه، يجب التعاطي مع الموضوع الفلسطيني والفدائيّين على أنهم "أمر واقع" أو "جيش حليف" – على ما نقل عنه شفيق الحوت في مذكراته - ، كما هي الحال في الدول العربية الأخرى، من دون زيادة أو نقصان. وهو تعامل من هذا المنطلق مع "اتفاق القاهرة"، ولم يكن مؤيدًا له، ولكنه برأيه كان أقلّ سوءًا من الفلتان والفوضى، ويأمل أن تسنح الفرصة لمحاولة السيطرة على الامور لاحقًا مع تبدّل الظروف والمعطيات.
يبدو سعد مدركًا تمامًا لواقع أنَّ اتفاق القاهرة هو نتيجة لأسباب تتعدّى المشهد اللبناني. هنا، نجد أنفسنا مع سعد وكأنَّه يفكّك مسؤولية شهاب، ويعيد توزيعها على الفلسطينيين وتجاوزاتهم من ناحية، وعلى النظام البعثي السوري برئاسة حافظ الأسد من ناحية ثانية (بما يستتبعه من نظام عربي)، وعلى وضع دولي – هجمة الاتحاد السوفياتي المتمثّل بالدعم لحركات اليسار اللبناني (الحزبين الشيوعي والاشتراكي وغيرهما) المتحالفة مع الفلسطينيين من أرسال أموال وأسلحة بدليل بدء كمال جنبلاط منذ العام 1967 تأسيس ميليشيا من 4000 مقاتل للتأثير على الوضع السياسي الداخلي في الوقت المناسب (ص 110) – لم يكن لمصلحة لبنان آنذاك من ناحية ثالثة؛ وضع يلخصه الرئيس شارل حلو في عبارته الشهيرة: "إن لكبار هذا العالم مصالح مع أعدائنا أكثر من مصالحهم معنا".
هنا يبدو من المهمّ أنْ نشرح صراع رجلين محوريّين إبَّان تلك المرحلة استنادًا إلى معطيات هذا الكتاب ألا وهما الرئيسين حلو وشهاب. اتى الرئيس حلو إلى رئاسة الجمهورية بتذكية من الرئيس شهاب نفسه، وطبعًا لم يكن لهذه التذكية أن تتمّ لو لم يلتزم الرئيس حلو باستكمال المشروع الشهابي الذي بدأه الرئيس شهاب في عهده. أمور كثيرة، لست بوارد طرحها هنا، دفعت بالرئيس حلو للرجوع عن التزامه والالتحاق بعد العام 1967 بالمعسكر السياسي المقابل للنهج الشهابي، وهذا لعمري أمر مشروع في السياسة. فكانت شبه-القطيعة بين الرئيسين. أمَّا فيما خصّ كيفيَّة التعامل مع التنظيمات الفلسطينيَّة فنلاحظ لدى كلّ منهما توجّهًا معيّنًا: الرئيس حلو ذهب في خيار المواجهة حتى النهاية، معتبرًا الاتفاق كارثة وإعلان نهاية لبنان. رفض الرئيس حلو كل محاولات استيعاب التنظيمات الفلسطينيَّة. لكن السؤال الذي يُطرح هنا ضمن الإطار التاريخي لتلك المرحلة: هل كان الرئيس حلو قادرًا على حسم الوضع لمصلحة لبنان وجيشه ضد التنظيمات الفلسطينية حينها؟ وإن كان قادرًا على ذلك وكان قراره بالحسم ضدها، لماذا لم يقم بذلك، بكل بساطة، بما ينقذ لبنان؟ كيف نفسّر ذهاب قائد للجيش إلى القاهرة وتوقيعه لاتفاقها؟ من أعطاه هذه الصلاحية؟ هل كان الرئيس حلو قادرًا على تجاهل التعاطف الإسلامي الرسمي والشعبي مع الفدائيّين الفلسطينيّين، وبالتالي إعطاء الأوامر للجيش اللبناني ليحسم الأمر عسكريًا ضدهم؟ وإن كان قادرًا لماذا لم يفعل؟ وإن لم يكن قادرًا لماذا استمرّ بمناوءته النهج الشهابي الأكثر واقعية في التعاطي مع هذه المسألة؟
التوجّه الثاني الذي كان عند الرئيس فؤاد الشهاب والشعبة الثانية كان يقضي باستيعاب الموجة الفلسطينية بما تحمله من بعد عربي وإسلامي بما يقتضيه تقطيع المرحلة بأقلّ الأضرار الممكنة. وربما ما ورد في الأعلى من حجج شهابيَّة يشرح بالتمام هذا التوجّه.
إذًا نحن كنّا إزاء موقفين: موقف يمكن وصفه بالمبدئي للرئيس حلو ولكنه غير قابل للتطبيق نظرًا للمعطيات المتواجدة آنذاك، وموقف عملاني براغماتي واقعي استيعابي مثّله الرئيس شهاب وحاول من خلاله أنْ يجنّب لبنان الأسوء. وعليه يكون من العبثي أو أقلّه من الظلم أنْ نلقي بمسؤوليَّة هكذا حدث على أحدهم دون فهم الإطار والظروف.
أصل لرواية الظلّ، وأظنّ أنّه هنا تكمن كلّ التراجيدية اللبنانيَّة. على طريقة دان براون في التشفير، يترك لنا أنطوان سعد في روايته التاريخيَّة كلمات-مفاتيح مرميّة هنا وهناك يُنتظر من القارئ ان يلتقطها ليفهم عمق الرواية.
"رشوة الرأي العام الإسلامي"، "الولاء الإسلامي لعبد الناصر"، "التماهي الإسلامي مع التوجهات العربية"، "تعاطف الوجدان الإسلامي مع عبد الناصر ومن ثم مع ياسر عرفات"، "الدعم الشعبي الإسلامي للتنظيمات الفلسطينية"، "الفالق بين المسلمين والمسيحيين"، "اصطفاف المرجعيات الدينية الإسلامية السنية والشيعية والدرزية والمرجعيات السياسية الإسلامية إلى جانب الفلسطينيين"، وغيرها من الكلمات-المفاتيح الخطيرة، كلّها تشكل عناصر تأسيسيَّة لرواية الظل التي قرأتها ما بين سطور رواية سعد التاريخيَّة.
فبخلاف ما قاله أنطوان سعد في بداية كتابه من أنَّ الأزمة البنيوية تأسَّست على يد النهج الشهابي من خلال تعامله مع مسألة التنظيمات الفلسطينيَّة، فإنَّ الأزمة البنيويَّة تبدو أعمق من هذا لا بل أخطر، وهي تضرب في جذور تاريخ الكيان اللبناني منذ تأسيسه في العام 1920.
وإذا أردنا أنْ نتابع رواية الظل السعديّة، لربما علينا أنْ نقرأ كتاب انطوان سعد بالمقلوب، أي ابتداءً من خاتمته. مُستعيدًا مذكّرات "الشهابي المرموق" فؤاد بطرس، ينقل سعد عنه التالي: "بدأتُ – أي فؤاد بطرس - بعد تلك الأزمة [بعد أحداث 1958]، وقد عززت الأحداث التالية هذا الشعور، [أشعر] بأنّ البطريرك الحويك والرئيس إميل إدّه، مع ما لهما من فضل على ولادة لبنان، لم يكن نظرهما بعيدًا. وكان حريًا بهما أنْ يضحّيا ببعض الطموح لمصلحة تأمين الاستمرار والسلام والديمومة"، والمقصود بكلام فؤاد بطرس أنَّ رجلين مؤسّسين للبنان أخطآ بالمطالبة بتوسيع مساحة لبنان إلى هذا الحدّ بما تضمَّن من أعداد كبيرة من المسلمين.
فدولة لبنان الكبير عندما رُسمت وإعلنت، لم تكن إلا تحقيقًا لحلم الموارنة ونضالهم وبما يتناسب والمصالح الإمبراطوريَّة لجمهوريَّة فرنسا. أمَّا من ناحية المسلمين، خاصّة السُنة منهم، فإنَّ إعلان لبنان الكبير كان هزيمة لمشروعهم العربي القاضي بتوحّدهم مع سوريا أو تلك الدولة العربيَّة الكبرى الموحدّة المتخايلة. كان كلّ همّ فؤاد شهاب إبّان عهده أنْ يقوم بتقريب المسلمين أكثر من هذا اللبنان بما يتخطى ميثاق العام 1943. يقول أنطوان سعد بلهجة الاعتراف: "إنَّ مشروع لبننة المسلمين [الذي قاده الرئيس شهاب] فشل، وفشل مسعى إقناعهم بتقديم الانتماء إلى لبنان على الإنتماء إلى الطائفة والمشاريع الإقليمية" (ص 124). هنا، هنا بالذات، تقبع مشكلة لبنان البنيويَّة. هنا فقط نفهم، لماذا الرئيس شهاب كان مضطرًا ليفاوض عبد الناصر من أجل ضمان ولاء مسلمي لبنان ومرجعيَّاتهم الدينيَّة والسياسيَّة. هنا نفهم لماذا كانت أولويَّة المسلمين، شارعًا وقيادات، قضيَّة فلسطين وليس قضيَّة سيادة لبنان وأمنه وازدهاره واستقلاله وحريَّته. هذا يشرح تمامًا التعبير الذي استعمله سعد حين رسم علاقة المسيحيّين والمسلمين على شكل ـ"فالق". لقد اعتمد الرئيس شهاب على عبد الناصر لضمان ولاء المسلمين، وعندما ضعف عبد الناصر، لم ير شهاب والشعبة الثانية بدًا إلا بـ"رشوة المسلمين" – والتعبير لسامي الخطيب – من خلال تسهيل عمل الفدائيين الفلسطينيين ليضمن ولاء المسلمين من جديد. كلّ سياساته الاجتماعيَّة والتنمويَّة والتربويَّة التي قام بها على أساس مشروع إيرفد ذهبت أدراج الرياح عندما وقف لبنان كلّه إزاء تاريخ مفترق وهو العام 1969 واتفاق القاهرة. كان المشهد الداخلي بسيطًا على تعقيده، غالبيَّة مسيحيَّة تحاول إنقاذ وليدها، هذا الكيان الصغير، وغالبيَّة مسلمة ليست قادرة إلَّا على التماهي مع محيطها مفضّلة إيَّاه على كيان لم تريده أصلًا.
كلا الرئيسين شهاب وحلو كانا يدركان هذه الحقيقة المرّة. الأوَّل، الرئيس شهاب، حاول إنقاذ ما تبقّى من ولاء مسلمي لبنان من خلال مسايرة التنظيمات الفلسطينيَّة التي أخذت مكانة وهالة عبد الناصر، والتعامل معها على أساس أنَّها أمر واقع على لبنان التعامل معه لحين تبدّل الظروف الإقليميَّة والدوليَّة؛ والثاني، الرئيس حلو، أدرك أنَّ ميثاق 1943 بات منتهي الصلاحيَّة، وأنّ التعايش الإسلامي المسيحي في لبنان كما فهمه جيل الآباء المؤسّسين انتهى وانتفت ظروفه العربيَّة والإقليميَّة والدوليَّة، فلجأ إلى حلّ التقسيم على أساس النموذج القبرصي، واقترحه على الأمم المتحدة، لكنّ محاولته اصطدمت بتجاهل دولي.
ورغم ثقل العوامل الخارجيَّة، كان أنطوان سعد حاسمًا في إرجاع علّة لبنان الأساسيَّة إلى بنيته الداخليَّة الضعيفة. يقول: "كلّ العوامل الخارجية ما كانت لتكون مؤثرة وقادرة على زعزعة الوضع اللبناني وتمكين الفدائيّين من فرض اتفاق القاهرة على لبنان، لولا الانقسامات الداخليَّة. لقد نفذ الفلسطيني في الواقع من خلال الفالق بين المسيحيّين والمسلمين، واصطفاف المرجعيَّات الدينيَّة الإسلاميَّة السنيَّة والشيعيَّة والدرزيَّة إل الغالبيَّة الساحقة من المرجعيَّات السياسيَّة وعلى رأسها الرئيس رشيد كرامي، إلى جانب الفدائيّين الفلسطينيّين في مطالبتهم بحريَّة العمل الفدائي ضد إسرائيل انطلاقًا من لبنان". هنا تكمن كلّ التراجيديا اللبنانيَّة كما خطّها لنا الباحث المميَّز أنطوان سعد. فالرئيس كرامي مثلًا، وهو ركن أساسي من أركان الشهابية، كان حائرًا بين الدولة التي يرأس حكومتها والتنظيمات الفلسطينيَّة. هل يتخايل أحدكم أنْ يكون رئيس حكومة دولة ما حائرًا بين دولته ووطنه وتنظيمات خارجة عن دولته ووطنه؟ هنا المأساة والتراجيديا اللبنانيَّة من جديد. كان الرئيس كرامي يُدرك تمامًا أنَّ التساهل مع التنظيمات الفلسطينيَّة سيؤدّي إلى خراب لبنان وتهشيم سيادته، ولكنّه كان عاجزًا عن الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني، وهو رئيسه المباشر، في صدامه مع هذه التنظيمات لأنَّه، كما يشرح انطوان سعد، "لم يكن يشعر بأنَّه يمكنه التضحية بمستقبله السياسي بمعارضة طائفته الإسلاميَّة" (ص 134)".
فشل اقتناع البطريرك الحويك بلبننة المسلمين، وفشلت سياسة الرئيس شهاب الاجتماعيَّة والتنمويَّة والتربويَّة أيضًا في لبننتهم، وسقطت كلّ الرهانات على قدرة الوقت والعيش معًا والميثاق والإنماء المتوازن في جذبهم لهذا اللبنان، أو كما ينقل سعد عن فؤاد بطرس في "جذبهم إلى الوطنيَّة اللبنانيَّة وتقديمها في سلّم انتماءاتهم". وكأنَّ بسعد يعاتب شهاب لأنَّه تكبّد كل هذا العناء من أجل لبنان المسلمين وعندما كان موعد القطاف في تلك اللحظة المصيرية، لحظة العام 1969، عجز عن استثمار الرصيد الذي "يفترض أنَّه جمعه لدى المسلمين وقياداتهم ومرجعيَّاتهم المحليَّة والإقليميَّة من أجل محاولة إنقاذ لبنان من تلك الدوامة، عبر ضبط بداية التفلّت الفلسطيني، والإمساك بالوضع الأمني". ثم يضيف سعد: "وصل الرئيس شهاب إلى نتيجة مفادها أنَّه أخطأ في الرهان على المسلمين، وبالغ فيه، وأنَّه لم ينجح في الأساس في استقطابهم، إلَّا ظاهريًا، لأنَّه سار بموجب خياراتهم في الحقيقة، وعندما حان موعد اختيار الأولويَّة بين القضيَّة اللبنانيَّة والقضيَّة الفلسطينيَّة، اختاروا الخيار الثاني". وينتهي سعد قائلًا: "لا بدّ هنا من تسجيل مفارقة بالغة الأهميَّة، وهي أنَّ الرئيس فؤاد شهاب والفريق الشهابي عمومًا، ومن ضمنه الجيش اللبناني، لم يجد في اللحظة الحاسمة، عندما اصطدم بالتنظيمات الفدائيَّة على مختلف اتجاهاتها، موقفًا إسلاميًا جديًا مدافعًا عن الجيش".
بقي المسلمون في "أمّتهم الإسلاميَّة"، التي يحاولون إحياءها تحت مسمّيات مختلفة، تارة من خلال مشروع الملك فيصل، وتارة من خلال ثورة جمال عبد الناصر، وتارة من خلال كوفيَّة وبندقيَّة ياسر عرفات، وتارة من خلال مشاريع البعث الصدامي منها والحافظي، وأخيرًا من خلال تيَّارات الإسلام السياسي السني منها والشيعي بكل أطيافها، ولم ينجحوا في الخطو باتجاه أمّة من نوع آخر، حيث لا يكونون فقط مسلمين، بل مواطنين متساوين مع مواطنين آخرين ينتمون إلى تقاليد وأديان وثقافات مختلفة أفقها الحاضر والمستقبل وليس الماضي والسلف. هنا أزمة لبنان البنيويَّة. لا بل أجرؤ على القول أنَّها أزمة كلّ الفضاء العربي حيث غالبيَّة السكان هي من المسلمين.
نجح الكاتب أنطوان سعد بجعل كتابه مرجعًا علميًا تاريخيًا لفهم وقراءة تلك المرحلة من خلال تحقيقه عن مسؤوليَّة الرئيس شهاب عن اتفاق القاهرة بخلفيَّة رغبته بالعودة إلى الحكم. لكنَّ أجمل ما في هذا البحث التاريخي أنّه لمس بجرأة وذكاء، وأقول بصدق، عمق أزمة لبنان التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، والمتمثّلة بالفالق بين سكانه وعدم قدرتهم على أنْ يصبحوا شعبًا واحدًا ولاءه الأساسي لوطنه ودولته. وأظنّ أنَّ كتابًا كهذا يستحقّ مناقشة مُعمّقة، وأنْ يتحوّل فرصة ومساحة من أجل تجديد النقاش الجدّي بين اللبنانيّين حول أزماتهم البنيويَّة. فبغير النقاش الصادق والجريء لا يتوقّعن أحد أنْ نصل لبناء بلد قادر على العيش والديمومة والازدهار وتأمين الحدّ الادنى من مستلزمات الإنسان الكريم والحرّ
د. أمين الياس
الثلاثاء 15 كانون الثاني 2019.