أزمة أوروبا أبعد وأعمق من «بريكسيت»
بروفسور غريتا صعب
يبدو أنّ المفوضية الأوروبية تعاني من مشكلات أكبر من الـBrexit وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. هذه المشكلات قد تؤدّي إلى انشقاقٍ داخل الوحدة الأوروبية خصوصًا وأنّ إيطاليا رفضت أيّ تنقيح لخطة الإنفاق والاقتراض وتقديم أيّ تغيّرات، الأمر الذي سيؤدّي حتمًا إلى إجراءات جزائية تتخذها بروكسل في حقّها.
لا تُحسد إيطاليا على وضعها الحالي. مع ارتفاع الديون المستحقة بشكلٍ كبير، هناك نموّ اقتصادي فاتر ويعدّ الأدنى منذ الفصل الثاني من العام 2015. ويبدو أنّ مشروع الميزانية الإيطالية غير متوافق مع القواعد المالية للاتّحاد الأوروبي، لاسيّما وانه يبيّن أنّ إيطاليا ستواجه عجزًا في الميزانية قدره 2.4 في المئة خلال السنوات الثلاث المقبلة رغم توقعات النموّ المتفائلة من قبل الحكومة.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا قرّرت المفوضية الأوروبية أن على إيطاليا أن تعدّل ميزانيّتها، والجواب واضح للغاية كون الميزانية غير متوافقة مع القواعد المالية كما سبق وذكرنا وتعني فيما تعنيه زيادة ديون ايطاليا.
وهنا تكمن المشكلات التي تواجه أوروبا بأكملها:
1- ترك المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي (Brexit)
2- تقييم ما إذا كانت ايطاليا سوف تفي بالتزاماتها المالية وما ينتج عن ذلك من اجراءات رسمية ضد الحكومة الإيطالية، الامر الذي قد يضع على المحك العملة الواحدة واستقرار العملية المالية والنقدية في الاتحاد الأوروبي، ويشكّل خطرًا على استقرار الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو.
وبمقاربة هاتين الحادثتين قد تكون الـBrexit مسألة ثانوية مقارنة بما يجري في إيطاليا. حسب رئيس المفوّضية الأوروبية جونكر، على إيطاليا الالتزام بتعهّداتها لخفض الدين العام الضخم الذي بلغ 132 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهذا الالتزام يجب أن يُحترم.
ويعاكسه في هذا الرأي، رئيس الوزراء الإيطالي Conte الذي يعتبر انّ الانفاق الإضافي ضروري لتعزيز الاستثمار في البلاد. وهو صاحب مقولة إنّ «التقشّف هو الطريق التي لم يعد من الممكن اتّباعها». الأمر الأكيد حتمًا أنّ الخلاف بين إيطاليا والمفوّضية قد يؤدّي إلى نسف جهود الشركاء لإنجاز الاتحاد الاقتصادي والنقدي وكذلك الاتحاد المصرفي.
في الفترة الأخيرة، أقدمت مؤسّسات التصنيف الإنمائي Moody›s على تخفيف درجة الائتمان في إيطاليا إلى مستويات قريبة من «غير مرغوب به»، وفي ظل التوتّر بين الحكومة الإيطالية والمفوّضية الأوروبية قد تحذو ستاندرد أند بور S&p حذو Moody›s الأمر الذي يؤدّي إلى انزلاق إيطاليا في المنحدر، ويعني أنّ البنك المركزي الأوروبي لم يعد يقبل بها.
هذا ما حدث في اليونان عندما انخفضت سندات الحكومة اليونانية إلى المستوى غير المرغوب به الأمر الذي ساهم في ضائقة اقتصادية حادة.
وإيطاليا ليست في وضعية أحسن، ومصارفها تعاني من مشكلات كبيرة نظرًا لأنّ الأعمال والمستهلكين لم يعد في استطاعتهم الحصول على الائتمان ما يعني أنهم ينفقون أقل، الأمر الذي يُبطئ عملية النموّ. كذلك دفعت إيطاليا كثيرًا لإنقاذ مصارفها، وقد يكون هذا الأمر من أهمّ الأسباب التي جعلها من أكثر الدول مديونية في العالم.
إقتصاديًا، العملية واضحة إذ إنه عندما تنفق أقل تدفع ضرائب اقل ممّا يعني انخفاض الإيرادات الحكومية وتراجع قدرة روما على سداد ديونها، ونصبح معها في حلقة مفرغة يصعب معها التوقف عند حدود الدولة. وثمّة جدلٍ حول ما إذا كانت حوادث إيطاليا قد تثير أزمة ماليه كبرى.
الأمر الأكيد أنّ المصارف لديها الفرصة في أن تستدين من البنك المركزي بفوائد صفرية، ولكن مقابل رهن، والرهن عبارة عن سندات حكومية. إنّ تراجع تصنيف السندات الإيطالية يدفع المركزي الأوروبي إلى عدم القبول بها والاستدانة بفوائد عالية تعيد إلى الواجهة مشكلة خدمة الدين، الأمر الذي يعني تراكمه وعدم القدرة على سداده.
الحديث اليوم عن أزمة في إيطاليا، وعن إجراءات وعقوبات سببها المباشر وجود حكومة ما زالت تتخطّى موازين القواعد المالية، وذلك بالإصرار على الإنفاق الكثير وتتجاهل التحذيرات التي وجهتها المفوضية الأوروبية.
المستغرب في الوضعية هذه أنّ صنّاع السياسة الأميركيّة وأسواق العالم المالية تتعامل وبهدوء تام مع ما يجرى في ايطاليا في ظلّ تفاقم أزمتها الاقتصادية. ومن المعروف أنّ حجم اقتصاد إيطاليا يساوي 10 مرّات اقتصاد اليونان وإذا ما فشلت إيطاليا قد يعني ذلك فشلًا لليورو وكما سيكون مكلفًا للغاية لشركائها الأوروبيين. وستؤدّي الأزمة حتمًا الى أزمة مصرفية مع الاسواق العالمية الاقتصادية منها والمالية.
مشكلة إيطاليا الأهمّ هي مصارفها وأحد المؤشرات على ضعف البنوك الإيطالية هو نسبة القروض الخاملة والتي لا تزال أكثر من 10 بالمئة من ميزانيتها. وثمّة سبب آخر هو أنّ هذه البنوك لديها أكثر من 400 مليار يورو في سندات الحكومة الإيطالية، الأمر الذي يؤدّي إلى ما يُسمّى «double loop» بين روما والمصارف.
لذلك قد يكون من الملحّ العمل على تسريع عملية النمو وزيادة الانضباط في الميزانية، وإعادة الدين العام على مسار أكثر استدامة وهذه أمور ملحّة في ضوء احتمال التشديد في أسواق الائتمان العالمية. مع عملية إنهاء التيسير الكمّي الأوروبي والمنتظرة في آواخر هذه السنة، ستبدأ الفوائد بالارتفاع ومعها تزيد مخاطر خدمة الدين الأوروبي بشكلٍ عام والإيطالي بشكلٍ خاص. قد تكون عملية إيطاليا جرس إنذار يمتدّ إلى أبعد من حدودها ليطال أوروبا بشكلٍ عام وجميع المصارف المتداخلة في عملية الإقراض هذه.
وحسب Dornbush من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا فإنّ أيّ أزمة قد تأخذ وقتًا أطول بكثير ممّا نعتقد ولكن تحدث بسرعة أكبر من أن نتخيّلها واستنادًا إلى المسار المتهوّر الذي اختارته الحكومة الإيطالية، بما أبطأ ردّة فعل الأسواق على هذه التطورات. قد يكون كلام Dornbush واقعيًا وسط دراما سياسية واقتصادية إيطالية.
لكنّ المعطيات الإيطالية فإما هي مناقضة لما تراه المفوضية أو أنّ Dornbush متفائل أكثر ممّا نرى. ولكن حسب Claudio Borghi في البرلمان الإيطالي فإنه يرى منذ الآن انعكاس هذه المعطيات على اقتصادات إسبانيا والبرتغال وحتى فرنسا ورفض السيّد Borghi الخطة الألمانية من أجل مصادرة مدّخرات القطاع الخاص الإيطالي، محذّرًا من أيّ خطوة من هذا القبيل من شأنها أن تفجّر أزمةً مصرفية وانحلالًا سريعًا لليورو.
هذه الأمور تتوالى وتنعكس سلبًا على الاتحاد ومستقبل اليورو، وقد تشكّل أزمة مصرفية تمتدّ إلى خارج إيطاليا لتطال الاتّحاد والمصارف الأوروبية.
بروفسور غريتا صعب/الجمهورية
السبت 1 كانون الأوّل 2018