­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

السبب الحقيقي لتأخّر تشكيل الحكومة

أنطوان سعد

إن مقاربة موضوعية لمنطلقات كلٍّ من الفرقاء الشركاء في عملية الحكم حاليًا، أي عمليًا روساء الكتل النيابية الكبيرة والصغيرة، تحمل المراقب على الإقرار بأنهم، باستثناء بعض الجشع الذي يلامس الغباء (لأنه ليس من الذكاء الأكل بأكثر من القدرة على الهضم)، مضطرون، بالنظر إلى ارتباطاتهم الإقليمية-الطائفية والمصالحية والدولية وامتزاج مقتضيات هذه الارتباطات مع الحاجات المتزايدة لمناصريهم، إلى التصلّب في التمسّك بالمعادلات التي تحكم السلطة التنفيذية، تأمينًا لتقدِّم أو تفاديًا للتراجع على رقعة الشطرنج الإقليمية. ويمكن تصوّر الوزن الحقيقي لكلّ طرف من الأطراف السياسية، فيما لو تراجع الدعم الإقليمي السياسي والمالي عنه.
أما التمسّك بالحقائب على أنواعها، على الرغم من أنه قد تكون له وظيفة إقليمية معيّنة في لحظات دولية دقيقة، فإن هدفه الأساسي مزدوج: فمن جهة هو عنصر يقوّي نفوذ الطرف السياسي كعنصر فاعل في المعادلة اللبنانية للمحافظة على قوة الجذب، مع تراجع ثقة الرأي العام بالطبقة السياسية عمومًا، ولكن بخاصة، حتى ضمن دائرة الطرف نفسه، إذ للمرة الأولى يفرج المحازبون، في أوساطهم الضيّقة وبعيدًا من الأضواء، عن عدم رضاهم على أداء زعمائهم، ويتذرّعون، لتبرير استمرار ولائهم، بغياب المشاريع الديمقراطية الجدّية القادرة على تشكيل قوة سياسية بإمكانها تغيير الواقع المذري القائم.
ومن جهة ثانية، ثمة حاجة للحقائب الخدماتية الصحية والاجتماعية والأشغال و"المدهنة" لمواجهة الفقر والحاجات المعيشية المتزايدة بنتيجة الأوضاع الاقتصادية، المحلّية والإقليمية وبنتيجة الشلل الذي يتسبب به تعطيل المؤسسات الدستورية المتواصل لدى كلّ استحقاق لانتخاب رئيس وتشكيل حكومة وإقرار قانون مثل قانون الانتخاب.
إضافة إلى ما سبق من أسباب سبق ذكرها في العديد من المنتديات ووسائل الإعلام والمنابر لتأخّر التشكيل، ثمة سبب لم يلتفت إليه ولم يأت على ذكره أحد: وهو أن أحدًا من الطبقة السياسية، وبخاصة من رؤساء الكتل النيابية، لم يعمل جدّيًا في حياته الشخصية في مهنة تستوجب استمرار رضا رب العمل عليه، ولم يخف من فقدان عمله حتى لو خربت الأرض برمتها. كما أن أحدًا منهم لم يدر شركة أو معملًا أو مؤسسة تحتاج أن تعمل بشكل منتظم وحقيقي كي تربح وتؤمّن رواتب عمّالها في نهاية كلّ شهر. وإن استعراضًا بسيطًا لجميع القيادات الأساسية، فردًا فردًا ومن كبيرهم إلى صغيرهم يظهر دقة هذه الفكرة، لذلك رآهم اللبنانيون منذ انسحاب القوات السورية من لبنان قبل إثنتي عشرة سنة لا يأبهون لأي تعطيل كرمى لعيون فلان أو علّان وأعين سواهما.
سمعهم اللبنانيون يرفعون التحدّي من على السطوح: مقابل التعطيل تعطيل، ولِمَ لا؟ وكباش متواصل لا تهاون فيه ولكن... بزنود الفقراء، وعضّ الأصابع حتى النهاية، لم يصرخ واحد منهم حتى الآن من الألم. دم اللبنانيين يسيل والمحازبون "قدّها وقدود". أكثر ما يضحك عناوين الكرامة والعزّة والإباء، فيما الناس مذلولون على أبواب المستشفيات والمدارس، والبطالة من العمل التي بلغت أرقامًا قياسية مرشّحة للازدياد عند إشراقة كل شمس.
كانت ذروة الكرامة لدى السياسيين عندما قبلوا شروط مؤتمر الدعم اللبناني المعروفة بـ"سيدر" حيث اشترطت المجموعة الدولية المعنية أن تشرف بشكل مباشر على سير الأعمال من التلزيم إلى التنفيذ في إعلان جماهيري بأن جميع المسؤولين اللبنانيين ليسوا موضع ثقة المجتمع الدولي. كان ينقص البيان الرسمي الصادر عن "سيدر" أن يقول: أيها السادة لا أحد يثق بكم على مستوى التصرّف بالمال العام، فاعذرونا، لأننا نحن سنتولّى إدارة الملفات المالية من الآن فصاعدًا.
حتى إن العارفين ببواطن الأمور يقولون في مجالسهم الخاصة إن ثمة تفاهمًا دوليًا أقرّ بمضمونه المسؤولون اللبنانيون (غير المسؤولين) على وضع لبنان تحت وصاية دولية بإشراف مباشر فرنسي اقتصاديًا في المرحلة المنظورة.
رحم الله من قال إن الحياة وقفة عزّ، أليس كذلك؟

أنطوان سعد/مون ليبان 

الأربعاء 24 تشرين الأول 2018