مسالك الحرب الأهلية اللبنانية واهتزازها الذي لا يهدأ
أحمد جابر
الآن يكتب الإعلامي عادل مالك عن حرب السنتين، فيطرح على نفسه وعلى الآخرين السؤال: لماذا الآن؟ ويختتم جوابه الطويل بسؤال آخر: وبعد؟ الاستفهام الابتدائي استفهام واضح غير مغلق، فأن تسأل الآن فهذا يعني أن ما كان في الماضي ما زال يدّب حياً في الراهن، وما ظن كثيرون أنه صار مادة في كتاب قديم، ما زال قلم الأحداث والمعطيات اللبنانية وغير اللبنانية، يضيف إلى سطوره سطوراً. حقيقة «التمدد» الحدثي اللبناني بين الأمس واليوم، جعلت عادل مالك ينهي فصول مطالعته بفصل «... وبعد» ليقول أن الرحلة اللبنانية الداخلية لمّا تبلغ محطتها الأخيرة، ولعل هذه المحطة ما زالت بعيدة المنال. لكن، ما هي المادة الحديثة الإعلامية التي حفل بها جهد عادل مالك في كتابه «حرب السنتين... وبعد؟» (منشورات سائر المشرق - لبنان).
تتبع الأحداث التي عصفت بالوضع اللبناني بعد انفجار الحرب الأهلية في 13 نيسان (أبريل) عام 1975، وتقصي بعض مقدمات هذا الانفجار قبيل انطلاق شرارته بسنوات، واعتبار المقدمات جزءاً مكوناً ومؤسساً من كل الرحلة الوطنية الداخلية الملتهبة، كلها أمور رسمت الإطار الداخلي للحرب الأهلية، وحددت الإطار العربي الذي تعامل مع هذه الحرب، ورسمت أدوار الإطار الدولي الذي واكب بوسائله المختلفة انغلاق الانتظام الداخلي، من دون أن تكون له مساهمة جادة في ضبط سياقه.
الإطار الداخلي، أو مسرح الأحداث وأدوار المتحركين فوقه، ظللته سمات عامة بعضها من عمر نشأة الكيان الإشكالية، وبعضها الآخر من الطارئ الجديد على الإشكالي الكياني القديم. ومن دون الذهاب إلى تتبع المادة الغزيرة التي أوردها الكاتب من موقع متابعته المهنية، ينبغي استقراء المادة التي أرادها عادل مالك حيادية في الاستعراض والسرد، لكنها ليست كذلك على صعيد وظيفتها المتروكة للقراءة، حيث على كل قارئ أن يعمل ذهنه وتخيله وتحليله لما ورد من أخبار الشخصيات والأحداث والمحطات.
الخيط الناظم الذي يمكن ربط سياق السياسة التي تجلت بأيام حرب السنتين، هو الخيط الذي يجعل طرفي معادلة الصراع متكافئين لجهة التطرف والتصلب في طرح المطالب والتمسك بها، وإن كانا غير متكافئين في مقدار المسؤولية عن السماح بإيصال الوضع اللبناني إلى حافة الانفجار، ثم انفجاره لاحقاً.
من إطلاق النار على معروف سعد في صيدا، وهو في طليعة تظاهرة صيادي الأسماك، إلى المواقف المتطورة سلباً، من الوجود الفلسطيني في لبنان، إلى استدعاء التدخل السوري العسكري ضد خصوم الداخل. في كل تلك المسائل يتحمل النظام اللبناني المسؤولية الأولى عن الانسداد الذي وضع البلاد أمامه، وعن التفريط بالسيادة الوطنية، وعن تشريع أبواب البلد أمام شتى التدخلات الخارجية. لقد امتنع النظام اللبناني، من خلال الناطقين باسمه، على الإصلاح وعلى إجراء التعديلات الدستورية المناسبة، وعلى الاستجابة للتغييرات الديموغرافية والسياسية والاجتماعية التي باتت تملي تطويراً لأحكام الصيغة ولتوازنات الكيان. فعل ذلك باسم الدفاع عن الصيغة وفرادتها، فجعل من منظومة الفكر الطائفي سياجاً لجموده، وكان من شأن ذلك أن يجعل الكسر الداخلي ممراً أهلياً إلى سائر التطورات اللاحقة. هذا الفريق النظامي كانت له أسماء بارزة، من بينها اسم رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، ومن بينها زعيم حزب الكتائب بيار الجميل، ورئيس الوطنيين الأحرار كميل شمعون، ومع هؤلاء رهط توزع بين الديني والدنيوي. لقد سلك «النظاميون» مسلك عدم تقديم التنازل الداخلي لفرقاء الداخل، فكان أن بعثروا مجمل مقومات اللحمة الوطنية الفتية.
على الطريق الآخر، وقف «المسؤول الشعبي» الذي قاد سياسة المعارضة ضد النظام اللبناني في صيغته الطائفية، وفي سياساته الاجتماعية، وفي تعريفه لموقع لبنان العربي ومسؤوليته الخاصة ضمن منظومة الصراع ضد العدو الإسرائيلي، وفي تصنيفه لعلاقات لبنان الدولية، التي لم تسلم من الانحياز، أي أنها لم تستطع أن تكون «صيغوية» على ما كانت تعني الصيغة يوم إعلان استقلال لبنان الكبير.
هذا الفريق، الذي رفع شعار الإصلاح، لا يستطيع قارئ عادل مالك أن يعفيه من مسؤولية المساهمة في الانسداد، إذ ثمة وقائع كثيرة تثبت أن القائمين على رعاية المعارضة تجاوزوا برفضهم المتكرر بعض التسويات، على ما تحتمله البنية اللبنانية، وجعلوا اللحظة السياسية المرئية مطية لتغيير لا تطيقه التشكيلة اللبنانية، ولا يستطيعه مستوى التطور الذي بلغه التوازن اللبناني آنذاك، ولا تسمح به، كما ظهر لاحقاً، «النظامية العربية» التي كان الاستبداد صفة عامة لها. لم تكن الأسماء المعارضة قليلة، كانت أفراداً الأبرز من بينهم الشهيد كمال جنبلاط، والحليف الفلسطيني ياسر عرفات، ومعهما رؤساء الأحزاب الوطنية والتقدمية وأمناؤها العامون، ومرجعيات دينية مثل المفتي الشهيد حسن خالد، والإمام موسى الصدر... هذه المجموعة الائتلافية بدت كأنها انطلقت من نقطة الإصلاح، وحملت ذاتها مع التطورات إلى نقطة الثورة، والحال لم يكن الأمران ممكنين، لذلك كان الممكن الوحيد يومذاك الدخول في مسالك الحرب الأهلية، التي ذهبت بمشاريع كل الأطراف. باختصار شديد، نزل أطراف الصراع داخل لبنان منزلة التعنت والمغامرة، فوصلوا إلى المقامرة السياسية بالمقومات الوطنية التي تحلق حولها البنيان اللبناني، هذا البنيان الذي لم يغادر الاهتزاز إلا لسنوات استقلالية قليلة.
الإطار العربي المحيط تنازعته سياسات المصالح، وهذه كانت تبدو أكثر فجاجة كلما كان البلد المعني بالتنازل أقرب إلى البنية اللبنانية، والقرب هنا ليس حدودياً فقط، بل هو سياسي واجتماعي واقتصادي، وهو ذو خلفيات دينية وقومية وعقائدية. لكن الأبرز بين المتدخلين، سيظل النظام السوري، وتدخله الذي حاول تعويض سنوات الانفصال بين سورية ولبنان بعد نيل الاستقلال من الانتداب الفرنسي، جاء في صيغة إلحاق غطته سياسات أطراف الصراع. لقد بدأ النظام حليفاً للمعارضة، ثم صار حليفاً لجزء من النظام اللبناني، ثم صار خصماً للمعارضة، فتدخل عسكرياً ضدها... وكان ما كان. في هذا السياق من المهم الالتفات إلى عدد من الاتفاقات التي عقدت بوساطة سورية، ومن المهم ملاحظة أن الرفض لهذه الاتفاقية أو تلك كان يتم تداوله بين الخصوم الداخليين، لكن الأهم الذي يجب الانتباه إليه، هو جوهر الموقف السوري الذي وجد الفرصة سانحة للعودة إلى الإمساك بشؤون «الشقيق الأصغر» ووضع حد لاستقلاليته التي لم تكن يوماً مقبولة من «الأخت السورية» التي نهلت من معين عقائدي قومي لا يمت إلى الفرادة اللبنانية بصلة. إذاً، القراءة في هذا المجال ليست نصية فقط، بل هي قراءة لما يكمن خلف النصوص، وما يعزز ذلك أن السرد الذي قدمه عادل مالك، يؤدي في بعض محطاته إلى هذه الخلاصة، فيصير المبادر إلى تخريب اتفاقات وقف إطلاق النار معروفاً، وعلى ضفتي الصراع، ويصير من يرفض مبادرات الحل معلوماً هو الآخر، ومن خلال تبيان نقاط الفائدة من عدمها، يسهل القول أن النظام السوري قاد «تخريب» مبادرات عدة، ورفض تدخل العرب الآخرين، لأنه كان يريد أن يكون الحاكم بأمره في الشأن اللبناني، وكان له ما أراد في نهاية المطاف، عندما أوكل العرب إليه أمر قوات الردع العربية، وعندما أعطاه فريق فرنجية - شمعون - الجميل كامل المباركة الداخلية. أما الخطاب القومي الذي رافق التدخل وغطاه، فلا يعدو كونه ديماغوجيا اعتادتها «الأنظمة التقدمية»، وقد دفع لبنان وبعض العرب لاحقاً ثمن هذا التضليل الذي تصدى لكل القضايا الوطنية والتقدمية والتحررية حقاً، بالملاحقة والمطاردة والاشتباك معها في أكثر من موقع. كذا كانت الحال مع لبنان، ومع فلسطين، ومع حركات الداخل في كل بلد عربي على حدة. إلى جانب الإطارين المحلي والعربي، كان الحاضر بهدوء وترقب، الإطار الخارجي. ومن دون إطالة، اكتفى المحور الدولي بإبداء النصح، وبتغطية بعض السياسات، ولم يقصر في مجال التشديد على وحدة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، إنما من دون أن يبادر إلى خطوة عملية. هنا يمكن القول أن الوضع الدولي سمح بما هو ضد المصلحة اللبنانية، عندما أجاز تدخلين: الأول التدخل السوري الذي ما كان ليحصل لولا المباركة الخارجية، والثاني الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، ثم عام 1982، والعملان ما كانا ليصيرا واقعاً من غير إجازة أميركية أولاً. لقد دار في ذهن السياسة الأميركية خصوصاً، أن العجز عن توليد تسوية في الداخل اللبناني، أو تأمين غلبة لأحد فريقيه بقوى ذاتية أمر متعذر، لذلك جيء «بجهنم» التدخل السوري، ومن ثمَّ الاحتلال الإسرائيلي. كالعادة، أو وفق منطق الأمور، انقلب سحر التدخل على الساحر الداخلي، فلقد اكتشف فريق الاستقواء اللبناني أن لا خدمات بالمجان، وأن من «يحرر الأرض يستوطنها»... وقد طال المكوث السوري في الديار اللبنانية، مثلما طال الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة منها.
في سياق حديث الثوابت، ماذا يمكن القول حيال العاملين العربي والدولي؟ كان من الثوابت العربية سلوك مسلك المناكفة البينية، بحيث لم يكن إنقاذ لبنان مسألة جدية لها نقطة بداية ونقطة وصول. ومن الثوابت، سياسة تدخل سورية لها خطتها وبرنامجها وقواها ومآلها الأخير. ومن الثوابت، العجز العربي العام عن التصدي للسياسة السورية بسياسة أخرى، لذلك كان الثابت الأخير، تسليم الشأن اللبناني إلى مركز سيادة يقع خارج حدوده.
بعد ذلك، وإذا رددنا مع عادل مالك: وماذا بعد؟ فهذا يعني أننا ما زلنا في الدوامة اللبنانية ذاتها في أمور عدة منها: العجز عن ابتكار تسوية داخلية، واستفحال أمر الطائفية والمذهبية، واتباع سياسة الالتحاق بمحاور خارجية، دولية وعربية وإقليمية، وتدني الأداء السياسي العام بالقياس إلى ما كان عليه الأمر عشية 1975، وتولي تشكيلة هجينة إدارة الشؤون الوطنية العامة. ما الحصيلة؟ بتنا أمام لبنان أشد ضعفاً، وأوهن لحمة، وأوسع شرذمة، وأكثر انكشافاً أمام التطورات الخارجية... وبعد؟ لا بد من لبنان آخر «ولو طال السفر»... لعل عادل مالك أراد أن نقرأ ذلك بين سطوره.
أحمد جابر - كاتب لبناني
الحياة
الخميس 24 كانون الأول 2016