­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

نزار يونس: تسويات مؤقتة حروب متتالية

رفيق أبي يونس

بالرغم من تجاور وتداخل بلدتينا جغرافياً وسكانياً، لم أعرف الدكتور نزار يونس إلا في نهاية السبعينات.

أذكر ذلك لأشير أن هذا التعارف خسر فترة الخصوبة السياسية التي سبقته، وعصفت بمناطقنا بسرعة الريح، وافدة من العاصمة مع نشاط الحركة الطلابية ونهوض الجامعة اللبنانية والتنافس الديمقراطي بين كل التيارات والأحزاب.

التقينا في نهاية السبعينات وكانت الحرب الأهلية قد هجرت بعضنا، وأصبحت على مشارف الإطاحة الكاملة بالوحدة الداخلية ببعديها الوطني والاجتماعي. كان شيئاً أقوى من لقاء في العاصمة بين اثنين من بيئة ريفية واحدة جمعهما وجع الحرب المدمرة نفسياً وأخلاقياً. كان تقاطعاً فكرياً مدفوعاً بأسئلة كبيرة حول المصير الوطني العام. وعلي أن أعترف أن الدكتور نزار يونس كان أكثر إبداعاً في طرح الأسئلة وتقديم الأجوبة عليها، لأنه كان مستقلاً وكنت ملتزماً.

كانت بلاوى النظام وعقمه هاجسه الوحيد منذ ذلك التاريخ، بل من قبله كما يشير في مقدمة كتابه "جمهوريتي". لم يكتب يوماً ولم يحاضر خارج الموضوع، بل ألزم نفسه بهذا التخصص، ووفّر لها وعياً ومعرفة كاملة بكل فروعه، فهو المهندس والاقتصادي الذي حدّد أولية الميثاقي على الدستوري والدستوري على القانوني.

إذا كان كتابه "جمهوريتي" الذي وقعه بالأمس في معرض الكتاب، هو بمثابة المؤلف المستوفي شروط البحث المترابط في الثقافة والسياسة والاقتصاد، فإن فصوله الثلاثة جاءت لتحكم الطوق على النظام السياسي الذي أفقد لبنان المجتمع والدولة كل أسباب الحياة والتطور. أحاط الكاتب هذه القناعة بكل أسباب الوثوق لينطلق إلى طرح معالجاته الإصلاحية، بل الانقلابية على ما هو سائد من ممارسات تستقوي بالديمقراطية التوافقية التي اعتبرها مصدر الإثم في كل مفاصل النظام السياسي ومفاسد الطبقة السياسية، فنصّ على ذلك في سائر مؤلفاته، تركيزاً وتوسيعاً في كتابه "جمهوريتي" وبدايةً في كتابيه "لبنان الآخر" و "الطريق إلى الدولة".

لم يكن وحده نزار يونس الذي اكتشف مساوئ نظام المحاصصة الطائفية، ومردوده في إنتاج الحروب والعنف، والعنف المضاد بين الطوائف والمذاهب، وفي استقدام التأثيرات الخارجية، اللاغية لإرادة اللبنانيين في صنع مستقبلهم. لكنه وحده قدم بحثاً جاداً وعلمياً متحرّراً من الفئوية الفكرية والأيديولوجيا. وحده لم يتوقف عند توصيف هذا النظام، بل قدم أجوبته الواقعية والبعيدة عن استحالة الوصول إليها، في ظل حقائق الوضع اللبناني وتعقيداته.

قد يطرح القارئ لكتاب "جمهوريتي" بما في ذلك شركاء نزار يونس في قناعاته. من سيحمل هذه الأفكار التي ترقى إلى مرتية البرنامج السياسي الاقتصادي الثقافي؟ ما هو حزبها؟ كيف سيسعى مريدوها والمؤمنون بها إلى نفاذها، وتكوين وعي لبناني ينتصر لها، في ظل هذا الاستقطاب السياسي الطائفي المذهبي المركّب؟ هل هي برنامج لحراكٍ شعبي تقوده منظمات المجتمع المدني الذي ما زال المجتمع الأهلي يتقدم عليه؟

أعتقد ان الدكتور نزار يونس يهدف، من خلال مؤلفه الذي هو خلاصة قناعاته في الإصلاح السياسي والاقتصادي، إلى التوليف بين هذا الإنتاج الفكري المكثف ومقتضيات اللحظة الوطنية التي تتلخّص بدايةً في انتخاب رئيس للجمهورية، فحمل كتابه مرتبتين: مرتبة الإصلاح، ومرتبة المبادرة. يستدل من الجواب عن السؤال المتعلق بالرافعة لهذا البرنامج ليحضر دور رئيس الجمهورية العتيد والمحوري بصفته صاحب الحق وعليه واجب بإدارة حوارٍ بين اللبنانيين لبلوغ البرنامج الإصلاحي الذي تضمنه كتابه "جمهوريتي"، وهو باعتقادي أبعد من استكمال تطبيق ميثاق الوفاق الوطني، استناداً إلى قول المؤلف "أن هذا الزمن هو زمن تقرير المصير لا التسويات المؤقتة."

إن رهان الدكتور يونس على الرئيس والرئاسة لتأدية هذا الدور هو رهانٌ على شهابيةٍ يسبقها البرنامج، لا تنتجه بالممارسة. فهذه الضمنية عند المؤلف هي حنينٌ إلى الوعد الذي قدمته الشهابية لجيله، وأملٌ باستعادة الدولة بعد طول غياب.

وفي النهاية خاتمة نقدية، أعتقد أنّ الأخ والصديق الدكتور نزار يونس يأذن لي بها، وهي أنّ مؤلفه الذي استوفى شروط الإحاطة، خاصةً النقدية منها للنظام السياسي والمحاصصة الطائفية ومؤسسة الإحتراف السياسي، وقدم قراءته للحلول ونقطة البداية لها، وجاءت بمثابة جهدٍ تحتاجه نخب واسعة تتوزع على كل القطاعات، هذا الجهد الذي عززه بسردياته الأدبية الجميلة في المقدمة والخاتمة، لم يلحظ مسؤولية الأحزاب التي رافقت نشوء لبنان الحديث، ولعبت دوراً مؤثراً منذ العهد الإستقلالي، حيث ان الطائفي منها ما زال يسوقنا نحو الهاوية، والتغييري يتملكه العجز عن المساهمة المتواضعة.

بعد السقوط المريع للأحزاب التي كانت واعدة في منطقة الهلال الخصيب، ولبنان في طليعتها منذ الخمسينات، لا يستكمل النقاش حول مشروع الدولة الحديثة، بمعزلٍ عن دور المؤسسة السياسية التي يجب ان تضطلع بها أحزابٌ من نمط آخر. القانون العصري للأحزاب هو في صلب الإصلاح السياسي، وهو متمم لأي قانونٍ للإنتخابات.

أعتقد أن المؤلف لم يفتْهُ الموضوع، فلربّما استقر رأيه على تقديم بحث خاص به، فلنعتبر ذلك بمثابة وعدٍ منه.

رفيق أبي يونس

بيروت في 4/12/2015