إبعاد الدور الإيراني بات شبه مستحيل
د. جيرار ديب
تداخلت مخطّطات القوى اللاعبة على الساحة الشرق أوسطية، مع سقوط أنظمة عسكرية، أوجدت فراغاً أمنياً في الدول العربية، استغلّته القوى الدولية من جهة، والأطراف الداخلية، المدعومة خارجياً، من جهة أخرى. هذا ما وضَع المنطقة في نزاعٍ مدمِّر، تحت عناوين مختلفة، أبرزُها النزاع المذهبي.نزاعٌ، تمثّلَ في الدعم الإيراني للأقلّيات الشيعية، يواجهه دعمٌ تركيّ للقوى السُنّية في سوريا والعراق، وعربي - سعودي في اليمن. إضافةً إلى اللاعب الكردي، المستغلّ هذه الفوضى مستفيداً منها لبناء دولته القومية على الحدود التركية، بين سوريا والعراق.
إنّ التشنّج الأميركي - الروسي، سمحَ بتمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة، وساعد برسم الهلال الشيعي. فأمسكت إيران زمام القيادة لمجموعات حليفة معها تنسجم وتسير ضمن سياساتها العامة في المنطقة.
إنّ الوجود الإيراني، كلاعب إقليمي في المنطقة، أثبتَ حضورَه على الساحة العربية. فبات يشكّل خطراً على مصالح كثير من الدول الإقليمية المحيطة. وعلى الدور الأميركي ذاته، الذي أبدى قلقه من تنامي دورها.
فقد:
- رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ «إيران وحلفاءَها يشكّلون أكبر تهديد لبلاده»، معتبراً أنّ «التهديد الإيراني ينسحب أيضاً على دول عديدة في المنطقة». وقال نتنياهو، في كلمةٍ ألقاها في مستهلّ جلسةٍ عقدتها لجنة الخارجية، والأمن التابعة للكنيست: «إنّ التهديد الإيراني، المشترك لدول عديدة في المنطقة خلقَ مصالح وتحالفات مشتركة بين «إسرائيل» وهذه الدول».
- أبدى قائد القوات المركزية الأميركية الوسطى، جوزف فوتيل، في جلسة استماع عُقدت في الكونغرس الأميركي قلقَه من «تنامي التعاون بين روسيا وإيران، في سوريا»، مشيراً إلى «ما وصَفه بمحاولات إيران لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط». وأضاف: «إنّ مِثل هذا التعاون، بين موسكو وطهران في سوريا لا يساعد عملنا في المنطقة».
- تضاربَت المصالح التركية - الإيرانية، إذ لا يزال الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، يسعى إلى أن تكون أنقرة، مرجعية المسلمين السُنّة في المنطقة، ولا سيّما، بعد التراجع في الدور السعودي، واختناق مصر بأزماتها. هنا يجد الأتراك، ضرورةَ التنافس مع إيران، لمنعِها من العودة الوازنة إلى الساحة السنّية، المنافس للدور الشيعي المدعوم من إيران.
- عرقلت إيران المخطّطات الروسيّة، وأثّرَ هذا على مصالحها، التي تسعى القيادة الروسية المحافظة عليها في سوريا. إنّ المدّ الإيراني في أكثر من مدينة سوريّة قد يمنع روسيا من بناء قواعد عسكرية لها في حميميم، وطرطوس. لذلك، تخشى القيادة الروسية التمدّد الإيراني وجماعاته في سوريا، الأمر الذي دفعَ بها إلى استثنائها من المؤتمرات واللقاءات التي عُقدت برعايتها حول مصير الحرب الدائرة في سوريا.
إنّ اللاعب الإيراني، يعمل على تحقيق النجاحات لمشروعه في المنطقة، ليجعلَ منها ورقة ضغطٍ في يده يستغلّها في الحفاظ على نفوذه. إذاً، بات إقصاء إيران عن دورها في الشرق، سلمياً أوعسكرياً غيرَ وارد بسبب الواقع الذي فرضَته إيران عبر دعمِها للقوى المؤيّدة لها من اليمن إلى لبنان.
أخيراً، إنّ أيّ مغامرة عسكرية أميركية - إسرائيلية لتقويض الدور الإيراني في المنطقة، سيقودها إلى نتائج تدميرية. فالتضارب في النفوذ لمجموعة قوى إقليمية ودولية يدفع بالمنطقة إلى اللااستقرار الأمني، وإلى زيادة وتيرة التهجير المبرمج.
إنّ إبعاد الدور الإيراني عن النزاع الدائرة في المنطقة، بات شِبه مستحيل، في ظلّ تعقيدات سياسية تضع، المنطقة أمام انعطافات خطرة تطال القوى اللاعبة من دون استثناء. لهذا، عَمدت إيران، إلى غرسِ جذورها في المنطقة. فشكّلت حالةً لا يمكن تجاهُلها، ولا يستطيع أحد أن يستثنيها في الحرب أو في السلم، لذلك باتت قوّة إقليمية غير قابلة للاختزال.
د. جيرار ديب/ الجمهورية