­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

في مثواها الأخير... رجمت!

جووي غسطين

"من منكم بلا خطيئة، فليرجمها بحجر!" بهذه الكلمات يختصر الكاتب الراحل إيلي صليبي روايته "ماريكّا المجدلية" الصادرة عن دار سائر المشرق، وهي قصة "البترونة ماريكا إسبيريدون"، التي شغلت بيروت في منتصف القرن العشرين كبائعة هوى مميّزة اجتذبت رجال المدينة، وبخاصة الأثرياء منهم، حتى أصبح اسمها مرادفًا "لمهنتها"، فغابت هي وبقي اسمها.
جمعت تلك السيدة على ما يقول الكاتب ثروةً طائلة من خلال اصطياد بنات الهوى الجميلات وعرضهن كفرائس في شارع "المتنبي"، لينقضّ عليهن "آكلو لحوم النسوة كالطرائد الجائعة وتحت حمايةٍ قانونية ووقايةٍ طبّية"، بحسب تعبير صليبي.
وبعد حياةٍ صاخبة، أمضتها ماريكّا في تقديم الخدمات والملذّات الجنسية في مملكتها الصغيرة وأصبحت خلالها "سلطةً وسيطة بين طالب خلوة ومانحة لذّة عابرة"، قلبت الحرب سنة 1975 حياتها رأسًا على عقب، وجعلتها تهرب إلى عالمٍ آخر تكفّر فيه عن ذنوبها وتعيش حياة التوبة والتقوى إلى أن "بلغت التسعين، مفلسة الجيب... غنيّة الروح، مشبعةً بالإيمان"، بعدما تبرّعت "البترونة" بكل ثروتها لمصلحة بلدة كفرماش التي قضت فيها أيامها الأخيرة، وحيث تعرّفت إلى من آمن بها وبتوبتها ولقّبها "بماريكا المجدلية". غير أن العالم لا يرحم: إذ بعد صمتهم طوال سنوات عن أعمالها الخيريّة، رفض أهالي بلدة كفرماش دفنها في مقابر القرية، معتبرين أنها خاطئة ولا تستحق أن يستريح جسدها في مثواه الأخير إلى جانب موتى أبناء بلدتهم: رجموها في قبرها.
هال صليبي هذا الموقف القاسي من أناس "يدّعون أنهم بلا خطيئة ومن حقّهم أن يتسابقوا على رمي الحجر الأول على عاهرة لو شاءت ما بذّرت أموالها على الفقراء، فيما "الشرفاء" هم من يسرقون اللقمة من فم الفقير". وهو بذلك ينتقد الازدواجية والمصلحية التي تميّز بها سكان تلك البلدة الوهمية والموجودة بالحقيقة، وفق ما أسرّ به يومًا لبعض أصدقائه. وقد يكون تجنّب ذكر اسم البلدة الحقيقي بسبب عدم رغبته في تعميم هذه الصفة على جميع أهاليها، فيما هي موجودة عند كثيرين غيرهم، في بلدات وفي مواضيع.
لم يكن همّ الكاتب الدفاع عن "ماضي" ماريكا، بقدر ما كان ينتقد الأحكام القاسية بحقّها، إن على مستوى تجاهل ما قدّمته من مساعدات للمحتاجين، أم على مستوى رفض توبتها أو حتى على مستوى عدم الأخذ بالاعتبار الأسباب التي دفعتها وهي يافعة في اتجاه الدعارة. ماريكا أكثر من جميع سكان كفرماش أدانت سلوكها القديم من خلال إنفاقها كلّ ما جمعته من مهنتها القديمة على الفقراء والمعوزين ولم تبق منه لنفسها شيئًا كي تنهي حياتها متحررة من ماضيها. غير أن ألسن الشرّ والبغاء لم ترد أن تقبل تحرّرها من هذا الماضي، وقد يكون مسعاها باء بالفشل فيما لو كانت توبتها موجّهة فقط إليهم. فهم لم يكونوا مثالها، لقد أرادت أن تتمثّل بالمجدلية والمغفرة التي طلبتها هي من الذي غفر للمجدلية.
في كلّ إنسان ماريكا خاطئة ومدنّسة بأيادي الشرّ، وفي كلّ مجتمع ثمّة مَن يغذّي اتجاه الإدانة والانتقام والاقتصاص عوضًا عن إعطاء الآخر الفرصة الثانية أو على الأقل إلقاء الضوء على سبل الخروج من الواقع المظلم. فيشجِّع أصحاب هذا الاتجاه فكرة رجم الخطأة بالحجارة سبيلًا للانتقام والتشفّي، وكأنهم يعتبرون أن التوبة بحد ذاتها صارت خطيئة تستحق الحساب.
إن ماريكا المجدلية آخر أعمال الأديب الراحل المنشورة (ثمة أعمال له غير منشورة) رسالة مباشرة مفادها أن التوبة ليست من أجل التهرّب من أحجار الراجمين، بل هي توق ورجاء اكتساب لقب المجدلية.


جووي غسطين

3 شباط 2017