الحاضر هو نتاج الماضي
مصطفى علّوش
في ٢٤ كانون الثاني ٢٠٠٤ توفي ابو مصطفى علوش عن سبعين عاماً، وترك لي مدوناته على الكومبيوتر الذي تعلم استعماله وهو في الخامسة والستين من عمره. كما كان قد علم نفسه القراءة والكتابة وهو في السادسة عشرة من عمره وتحول إلى قارئ فهم.
نشر عدة حصص قصيرة في مجلة الصياد في الستينات ثم رواية طويلة عنوانها وخلق من جديد.
انقطع عن الكتابة إلى أن عاد ليكتب المقالات السياسية وينشرها في جريدة طرابلسية محلية.
سنة ٢٠٠١ صدرت له رواية حكايات أبو النور وسنة ٢٠٠٢ حكايات العمر الضائع ثم قمت بجمع ما تركه وراءه سنة ٢٠٠٩ وصدرت حكايات طرابلسية إلى أن عدت وعملت على إعادة صياغة حكايات عمر ضائع لتصبح كما هي الآن حكاية سورية.
يقول محمد علوش في مدونة
"في اليوم الذي أغيب فيه ستتحرر كتبي من الضياع، وتجمع الأوراق المهملة في شقوق الدروج الخشبية سيكون لي ركن خاص يضم كتبي وحين يتحدث الناس عني سيسألون عن آثاري الأدبية وعن عدد الكتب التي لم تبصر النور رغم عدم وجودها إلا على أوراق مبعثرة وحينها سيقول الأصدقاء أنهم يحتفلون بالكتاب الذي لن أطبعه.
أن أكتب أو ماذا أكتب؟ وكيف أكتب؟ وأنا محاط بجبال من التناقضات والخيانات والأحقاد المتبادلة، كأنني أحكم بذلك على نفسي بالإعدام لخيانتي العروبة! أو أسقط عني هويتي العربية، فيلعنني أبنائي ورفاق طفولتي. فلا البيت بيتي ولا الأهل أهلي، وامتلكني الغباء في مملكة الأغبياء.
تحملني الذكريات إلى سنين عتيقة أبحث فيها عن الزمن الغابر لأرفع راية لا تعرف الهزائم، وأذهب في غيبوبة بلهاء علني لا أستفيق بعدها على مآسي هذا الزمن، وأحاول استحضار حكاية فرحة أرويها لأحفادي تكون ناصعة كالشمس وجميلة كلون السماء عند الغروب، وأرحل في نشوني الملعونة الممزوجة بالحزن! فتشدني قوافل شهداء التحرير على مدى نصف قرن مضى فأنحني احتراماً وإجلالاً لذكراهم وأنا أبكي.
ملعون هذا الزمان وملعونة كل الحكايات التي أسمعها وأنقلها، وبئس كلامهم الضائع بين الجهل والتمنيات.
سقط شعار التحرير بعد أن تعب الله من سلوك القادة ومن وجوههم ومن خطاباتهم، ونأت رعايته عنهم وعن شعوبهم.
واستغفر كل الآباء الذين مازالوا يبكون أبناءهم الذين سقطوا في عمق فلسطين والجولان وسيناء ولبنان، ولتأخذ اللعنة الأبدية كل الحكام".
في مقدمة كتاب حكايات طرابلسية الذي صدر سنة ٢٠٠٩ كتبت إلى ذكرى الهائم بين الحكمة والجنون.
كان ابو النور يقول دائماً إن من لا يجن ولو ساعة كل يوم يصبح مجنوناً.
فهو هذا الرجل الهائم ابدأ بين الكذبة والحقيقة بين الشجاعة والجبن بين الإيمان والكفر بين الثروة والفقر بين الوطنية والخيانة بين اليمين واليسار بين الواقع والخيال، بين الحياة والموت.
وهكذا يبدو ابطال رواية حكاية سورية فهم لا أبطال ولا جبناء، ولا يوجد بينهم قديسون بالمطلق، بل هم بشر سمتهمالتعايش مع الواقع والتاقلم معه.
في حكاية سورية رواية عن عائلة سورية عاشت في ظلم ظلم الإقطاع، فنزحت نحو طرابلس حيث بدلت ظلم الإقطاع بظلم الفقر، ثم عادوا إلى سوريا ليدخل بطل القصة إلى المدرسة الحربية خلال فترة التحولات الصاخبة في ستينات القرن العشرين حيث وصولاً إلى حرب حزيران ١٩٦٧. قصة مشوقة وقعها سريع حيناً وبطيء حيناً آخر. تداخلت فيها روايات قصيرة متعددة، استقاها الكاتب من وقائع عاشها بنفسه.
في رواية سابقة يقول الكاتب: "ما لي أنا والأفكار الفلسفية التي لم يتكون دماغي أصلاً لاستيعابها ولأعشى الواقع حتى أنام بسلام.
لكن الأفكار الفلسفية أحسن بها وهي تتكون وتغلي في دماغي، فتفتش عن طريق يوصلها إلى أوراقي!
لا أتمكن عندها من النوم وأجدني من دون وعي، عاجزاً عن ضبط حركة يدي اليمنى وهي تلتقط القلم، ويدي اليسرى وهي تتناول الأوراق فأجلس إلى الطاولة مسنداً رأسي على يدي اليسرى، فيما تتحرك يدي اليمنى راسمة الكلمات على الورق.
مصطفى علّوش
26 كانون الأول 2016