ندوة بعنوان جدلية النقد والابداع
جلنار عطوي
في إطار نشاطاتها لهذا العام، نظمت دار سائر المشرق ندوة بعنوان "جدلية النقد والابداع"، شارك فيها الأكاديمي الدكتور جورج زكي الحاج، الأكاديمي الدكتور علي نسر، الاعلامي والأكاديمي التونسي الدكتور عبد الدائم السلامي، الكاتب السوداني الأستاذ أسامة رقيعة، وقدمتها الدكتورة ناتالي الخوري غريب في حضور حشد من المهتمين والمثقفين.
الخوري غريب
استهلت الخوري غريب الندوة بالقول أنه نطرح اليوم جدلية النقد والابداع لأنه على صعيد التخصص في المجال النقدي، نحن امام اشكالية اتباع بعض المدارس النقدية التي تقولب العلم الابداعي وتجعله اجترارا لأعمال هذه المذاهب النقدية فلا تفسح له آفاق التمايز والتحليق في فضاءات أكثر حرية، وتاليا لا جديد. والاجترار هنا بمعنى الانغلاق الى استخدام مصطلحات تكرر ذاتها لتفضي الى دلالة مسبقة باستخدام الأداة المنهجية عينها الموصلة اليها، ولأن الصراع بين مناهج النقد النصي أي الداخلي مع مناهج النقد الخارجي، صراع لا ينتهي بين مناصري كل منهما، ومن تبعات هذا الصراع، خلق هوة بين القارىء والنقد ما عاد بالاماكن ان نتغافل عنها، متساءلة لماذا لم يرتق نقدنا الى الابداعية وما هو دور الايديولوجيا في هذا التوجه النقدي.
السلامي
بدوره، استهل السلامي مداخلته بالاشارة الى أن النقد العربي هو نقد أكاديمي الذي يمكن اعتباره لعنة على النقد الأدبي، انه نقد مدرسي يسقط المناهج الغربية على نصوصنا الأدبية، والنقاد العرب ملتزمون بالنظريات الغربية كأنها الوحي المنزل بالنسبة اليه، في حين أن النقد الغربي يتضمن البنوية، الشكلانية، السيميائية للفت منتهاها في قراءة النصوص: العتبات، التناص،... بقي له فقط أن يذكر مقاس حزام زوجة الكاتب.، وطرح تساؤلا: ما سيستفيد القارىء / الواقع من بنية النص؟ ليقول أنها استفادة مدرسية، هذا ما نقل القارىء من نص الناقد ومن القراءة اصلاً .
ورأى السلامي أن الثقافات البشرية تختلف في رؤيتها للأدب، فالناقد الغربي يعنيه معرفة كيفية كتابة النص (بارت: حين يواجه الناقد الصر الابداعي لا يسأل ماذا يعني هذا الأثر وانما يسأل كيف كتب؟!، كما أنه مطمئن الى ان النظر في شكل النص وبنيته وعلاماته سيعترف حتما بمضمونه، لأنه مكتوب بثقافة اعترافية (الشكل يعترف بالمضمون)، في حين أن ثقافة النص العربي ثقافة انفائية يحكمها قانون (واذا عصيتم فاستتروا – الكتابة معصية لدى الحاكم العربي) وكذلك القول واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، لذلك نرى أن مقاربة مثل هذه النصوص بمناهج غربية لا تبلغ فيها كل معانيها.
واعتبر أن ما يؤكد وجود شخصية ثقافية للنصوص الابداعية تتكون من تفاعل الكاتب مع الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والفن والمظهر والمطبخ والعقلية الاجتماعية عامة، هذا يعني أن اشلخصية الثقافية لكل نص هي حاضنة معانيه وعلينا التنبه عليها عند قراءته، وهذا يحفزني لأن أقول: نحن لا نقرأ نص الكاتب فحسب وانما نقرأ كاتب النص(لا أجد وجاهة في قول بارت بموت المؤلف/ وموت الناقد، هذه مقولات عدمية، والحال أن الكتابة فعل حياة.
وخلص سلامي للقول أن اي نص أدبي هو تفاعل بين ثلاثة نصوص: نص الواقع، نص الكاتب ونص الناقد، وهذه النصوص متصلة بعضها ببعض في شكل هرم أو منارة والمعنى فيها يتبع مسارين أحدهما تصاعدي سمته الاختزال والتكثيف والتدمير ومسار تنازلي سمته تفكيك الرموز... وقال: النقد عنصر أساسي من عناصر الفعل الابداعي والابداعية في النص النقدي بتحوله من نقد غير مؤدب (يفرض رأيه وتقويماته على النصوص) الى نقد أدبي (يحتفي بالنص ويشارك في اكتماله، ولن يفلح ناقد الا متى أثبت ابداعية نصه النقدي قبل أن ينتدب نفسه حكماً لاثبات ابداعية نص الكاتب.
نسر
رأى نسر في مداخلته أن الأيدولوجيا رفيقة درب الانسان منذ القدم، وان لم تظهر كعلم أو كمفهوم قبل القرن الثامن عشر، نظراً الى عدم الحاجة الى وجودها، فلطالما كان الفكر والواقع منسجمين وكأن ما بينهما مرآة لا تغيير في حقائقها، ومن يخالف حركة الواقع تسقط عليه التهم... ويعد الادب الوعاء الاكبر، والمرجل الامهر في عملية استيعاب، حركة الحياة وما تقدمه من موضوعات، وقد اثبت أن الحركة الأيديولوجية كانت موجودة وبقوة بين الفرق الكلامية، وقد انقسم الناس حيالها حكاماً وجمهوراً وليس جديدا على الأدب أن يستخدم المفاهيم تطبيقاً ولاحقا تتبلور المصطلحات (نظرية التحليل النفسي).
وأضاف نسر: وهكذا فإن التعامل مع النص نقدياً يستدعي وضع الحكم الذاتي والإنفعالي جانباً، لكن العديد من النقاد ذوي الأيديولوجيات المختلفة والمتصارعة يعمل على دحض ما لا يتوافق مع منهجهم العلمي والتحليلي على أساس أنه الحقيقة الوحيدة الجانب وبهذا ترى الأيديولوجيين يحملون سلاحهم الثوري التغييري في يد ومنهجهم العلمي النقدي في يد أخرى، انسجاماً مع ظروف ولادة ذاك السلاح وذلك المنهج، متناسين أن السلاح قد يستخدم في مختلف العصور والامكنة.
رقيعة
وتحت عنوان "الناقد... عيننا الثالثة" تمحورت مداخلة رقيعة الذي اعتبر في مستهلها أنه منذ ظهرت الكتابة بوصفها رسما للمنطوق، نشأ نزاع خفي بين الكاتب والناقد حول من يمتلك أهلية تدبير معنى النص، أو من يمتلك سلطة بناء المعنى فيه. وهو نزاع نجد له فاعلية في تاريخ الآداب العالمية ما يزال صداها يتردد على أذهاننا الى اليوم، والحق أن هذا النزاع يمثل قوة دفع لحركة الابداع، ولا أرى في استمراره الا دلالة على تفلت المعنى من الفهم، فمعنى النص ليس "كمية دلالات" جاهزة ومتكشفة، وانما هو كامن في النص في شكل احتمالات وممكنات. ومن ثمة لا يكون للنص معنى الا بالقراءة.
وقال رقيعة: الحق أني كثيرا ما ألتجيء الى ناقد رواياتي لأتبين ما فيها من معان، فهو بالنسبة الي عين ثالثة أرى بها في نصي ما لا تراه عيناي الأثنتان، انه يجمع عناصر المعنى المبثوثة هنا وهناك في النص ليشكلها كيانا معنويا قابلاً لأن يسمى ويشار اليه... للنقاد دور في نماء الابداع وازدهار دولته، فهم، بما لهم من آلة قرائية، يكشفون عما في النصوص من هنات ومحاسن قد تخفى عن كتابها، ومن ثمة هم في حلبة الكتابة ذاتها، وعليهم مسؤولية تطوير الذائقة الفنية لدى عموم القراء والمتلقين.
ورأى أنه حينما كتب الدكتور عبد الدائم السلتمي عن روايته "اللحن المفقود" تنبهت لأهمية الانصات الى المكان بوصفع فاعلا سرديا يؤثر في نفسية الشخصية وفي سلوكها وفي اختياراتها القيمية.... وقال: لا أخفي كبير اهتمامي بما يقوله القراء في نصوصي، فمعهم، وعبرهم ايضا، أتلمس نبض كتاباتي وهمس معاني في خوفها وضعفها وهيجانها، فقد عرفت مثلا أن (أسامة رقيعة لا يعرف الاسهاب في الحديث لأنه يتقن انتقاء المفردة المناسبة للحالة لبشعوية الموصوفة) كما جاء في احدى القراءات النقدية....
الحاج
بدوره، اعتبر الحاج أن النقد حاجة اجتماعية تؤدي دور الذاكرة الأدبية، ونقدنا اليوم يعيش أزمة الإبداع في عالمنا العربي بشكل علام بحيث يترجع بين النقد الوظيفي (النقد الصحفي اليومي) والنقد الشارح التفسيري في أغلب الأحياء، ويعرج قليلأ علي الموضوعية الأكايمية خصوصاً عند الإختصاصيين كالأستاذ الجامعيين... لكن معظم المقاربات الخاصة بالأعمال الأدبية هي أقرب الى التعليقات المشبعة بالأنطباعية الذاتية، وتكاد تغيب عناه مقومات الجمالية الجديدة التي ترتكز عليها هذه الأعمال.
واعتبر أن النقد عندنا لم يقارب حتى اليوم النقد الإبداعي لعدة أسباب منها، الثقافة التي كثيراً ما تكون أفقيه سطحية، أو عمودية رافضة كل ما عداها، الوعي الاجتماعي: الذي ما زال مقصرا عن غيره، في المجتمعات الراقية فكريا وسياسياً، الهوية القومية والهوية الفكرية: حيث محاولة ربط إبداعنا الفكري بانتمائنا القومي، أو بانتمائنا الديني وبذلك تصبح الهوية الفكرية هي نفسها الهوية القومية المحدودة، والهوية الدينية الجامعة، التي لا توصل إلا الى التعصب الأعمى، اضافة الى المفاهيم الاجتماعية، والعادات، والتقاليد التي تشكل حواجز رادعة تقف في وجه الإنسان العربي.
وتابع في الأسباب، التقليد الأعمى لكل ما يصلنا من الخارج، الغوص في متاهات الماضي الفكري، ضياع الهوية السياسية للفرد العربي: وهذا مرض مزمن، يعود الى عشرات السنين إن لم يكن الى مئاتها فبعض العرب ما زالوا حتى اليوم يعيشون هاجس الانتماء الحقيقي، لعل بيروت ومصر- العاصمتين اللتين تشكلان المركز الأساس للحركة الثقافية والأدبية في العالم العربي – تعانيان حتى اليوم، هذا الصراع الانتمائي، اضافة الى ضياع الطبقة الثقافية وهزالة المجتمعات المدنية والسلطات السياسية: هذه السلطات التي، نادراً جداً جداً، ما تكون تكون على علاقته طيبة مع الفكر والثقافة مع الأدب والشعر والنقد والفن بشكل عام، فهي سلطات اغتصابية توارثية، لا هم لها سوى الذاتية الفردية، لذلك نجد هروب الفنان العربي، شاعراً كان أو رساماً أو الى أبطال الميثولوجيات، أو الى أبطال بلاد الغرب... ربما لأنه يجد فيهم ضالته المنشودة، أو ما يفتقده في حكام هذه الأزمنة.
جلنار عطوي
12 كانون الأول 2016