­

Notice: Undefined index: page in /home/lbnem/domains/monliban.org/public_html/monliban/ui/topNavigation.php on line 2

فلّاحون يحلمون بجمهورية

مروان حرب

"جمهورية الفلّاحين" رواية تاريخية للكاتب رمزي سلامة صادرة عن دار «سائر المشرق». هي قصّة حب وثورة وعلاقة جدلية وتكاملية بين مصير فردي يسعى للحرية، وسَعي وجداني تشابكي. هذا السعي سيسقط القضايا الكبرى من أحلامها الى خيانتها لضرورات المتطلّبات الاجتماعية، وربما الشعور في النهاية بأنّ على كل إنسان أن ينتبه إلى مصالحه عندما يلحظ أن القادة قد انشغلوا عن المسائل العامة والأهداف الكبيرة التي رسموها لمَن تبعوهم. توقّعتُ ان يكون اللاعب الأساسي طانيوس شاهين الذي قاد الثورة وأسّس أوّل جمهورية في الشرق الأوسط، لكن الكاتب في زحمة الزعماء على الساحة اللبنانية أراد أن يخاطب الشخص العادي فينا، من غير أن يُهمل التطوّرات الأساسية التي طرأت على شخصية شاهين عندما بلغت الثورة بعضاً من أهدافها.

تبدأ قراءة الرواية من نهايتها إثر سقطة البطل، بطلنا الياس «شيخ شباب» الذي أدّى دوراً أساسياً في أحداث ثورة الفلاحين في كسروان ضد الإقطاع والأسَر المارونية سيقبل بالمال المنهوب من بيوت الإقطاعيين لكي يدفع مهر حبيبته. هو الذي ظلّ وفياً لمبادىء الجمهورية ومنع أعمال العنف المجاني والانتقامي عندما كان قادرا على ذلك. الياس هو تجسيد للصراع بين الفردية والقيم الجماعية، فكلّ قارىء يمكنه التماهي مع الياس الذي يشبهه في حماسته الثورية ورفضه للظلم وندمه على تجاوزاته وألمه من سلاسل الواقع التي تمنع الاحلام من التحليق إلى جانب يمامة تعلو وتحطّ وتعصر الغيم من أجنحتها. ففي حين يأمل الإنسان في رفع الظلم عن المجموعة لكي تعيش بحرية، تأبى هذه الحرية أن تحرره من نفسه.

يشكّل الحوار بين الشخصيات الأساسية المحور المهيمن على الرواية. من النادر أن تقع على وصف للطبيعة أو للفن العمراني أو اللباس التقليدي، وهذا ما يفقد الرواية شخصيتها المكانية. في حين أن الفلاح لا يثور على الظلم والتجاوزات فقط، بل على إرغامه على التعامل مع الأرض والندى الصباحي على الزهر وظلّ الشجرة كمنفي بأرضه. مع الأرض والشجر ثمّة علاقة وجودية، ومع حراثة التربة علاقة ذكورية ورحم.

في بعدها السياسي، تكشف الرواية عن قراءة نقدية عميقة للعقلية والثقافة السياسية لدى اللبنانيين، من السجن الطائفي الكبير الذي يجهض كل أمل، الى بؤس رجال السياسة وارتهانهم للقوى الخارجية، الى الاستقواء بالغريب على الصديق، الى الخيانة، الى الصراع الجيوبوليتيكي بين القوى العالمية على لبنان. كل ذلك سيؤدّي الى إخفاق حلم الجمهورية، وإطفاء شعلة شمعة كانت حصانة جبال لبنان لتحميها. اذ إن الزعماء يسعون «الى التحالف مع قوات أجنبية ليفرضوا أنفسهم على الآخرين، ما يجعلهم خدّاماً لحاميهم. يجمع الزعماء فتافيت الحكم، وذلك من خلال عبوديّتهم لسادتهم واستبعادهم شعبهم».

في ظلّ الوضع الاجتماعي الراهن الذي تعانيه فئات واسعة من اللبنانيين ووحشية الرأسمال الاحتكاري والامتيازات العائلية، يتساءل القارىء عن هذا الانقطاع التاريخي بين اللبناني الراهن واللبناني جمهورية الفلاحين. ألم يعد هناك من فلاحين، من ظلم، من إقطاع، من فساد، من معنى للحرية، من روح ثورية؟

هذه الثورة لا نجد من يحتفل بذكراها ويسترجع دروسها الغنية ويستفيد منها. رواية «جمهورية الفلاحين» هي مبادرة لاحترام الذاكرة التاريخية لشعب، كلما سنحت له الفرصة لكسب الحرية يهوى الفرص الضائعة ويرفض الاستفادة من انتصاراته.

«جمهورية الفلاحين» رواية ستخبر كل لبناني عن أعماقه، عن هذا التناقض المرضي بين الاحتفاء بالذات المتميزة عن محيطها، والفشل الدائم في النجاح في بلورة هذه الميزة الى يقظة اجتماعية وسياسية تذكّر أن هناك فلّاحين حلموا يوماً بالحرية...

مروان حرب

الجمعة 11 أيلول 2015