ضربة أردوغان للأسد
عبد الكريم أبو النصر
"الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واقعي ومرن، عندما يتعلق الأمر بمصالحه الذاتية أو الوطنية وهو مستعد ضمن هذا النطاق لإعادة النظر في حساباته ولتصحيح قرارات اتخذها سابقاً. وأثبت ذلك حين أنهى أخيراً الخلافات مع روسيا واسرائيل واتفق مع هاتين الدولتين على فتح صفحة جديدة وعلى اتخاذ اجراءات محددة من أجل تحسين العلاقات معهما. وتوقّع البعض ان يطبق أردوغان هذه السياسة الانفتاحية مع النظام السوري وسرّب حلفاء دمشق توقعات في هذا الشأن تفيد أن المصالحة مع روسيا ستدفع الرئيس التركي الى الانفتاح على الرئيس بشار الأسد وان موسكو ستضغط في هذا الاتجاه وأن أردوغان سيوقف الدعم لقوى المعارضة السورية ويغلق الحدود أمام نشاطاتها. ولكن حدث العكس تماماً وأظهرت التطورات الأخيرة أن توقعات حلفاء دمشق مجرّد تمنيات وأوهام ومردها الى حسابات خاطئة وتعكس خصوصاً حاجة النظام السوري الى الخروج من المأزق الكبير الذي يواجهه مع حلفائه". هذا ما أوضحه لنا مسؤول أوروبي في باريس معني بالملف السوري ووثيق الاطلاع على الدور التركي في المنطقة وعلى التطورات الاخيرة.
وقال: "لقد خرج أردوغان أقوى وأكثر قدرة على استخدام الجيش التركي في سوريا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وهو يرى أن الواقعية في التعامل مع الأزمة السورية تتطلب التمسّك بضرورة رحيل الأسد عن السلطة، وتقاربه مع روسيا لن يبدّل موقفه هذا الذي يتفهمه الرئيس فلاديمير بوتين. فبالنسبة إلى أردوغان، ليس الأسد مفتاح الحل بل هو المصدر الأساسي للمشكلة والعقبة الرئيسية أمام الحل والسلام وهو المسؤول عن مقتل 600 ألف سوري استناداً الى ما قاله الرئيس التركي في مؤتمره الصحافي مع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن". ونقل المسؤول الأوروبي عن أردوغان قوله للمسؤولين الروس والأميركيين: "أنا أعرف الأسد أكثر من أي شخص آخر فهو مستعد لمواصلة الحرب حتى النهاية والانفتاح عليه لن يجدي نفعاً ويستحيل التوصل معه الى تفاهم سياسي استناداً الى القرارات والتفاهمات الدولية التي تنص على ضرورة تفاوض النظام مع المعارضة السورية الشرعية المعتدلة من أجل ضمان انتقال السلطة الى نظام جديد تعددي. فالأسد يرفض تماماً هذه القرارات والتفاهمات الدولية ويتمسّك ببقاء نظامه وبمواصلة الحرب الكارثية وهي حرب ليس ممكناً أن يربحها وأن يحكم سوريا مجدداً. وأي عملية تفاوضية جدية يجب أن تبدأ بعد ضمان رحيل الأسد أولاً عن السلطة. وقد اقترح أردوغان في اتصالاته مع الروس والايرانيين وجهات أخرى "حلاً واقعياً" للأزمة السورية يرتكز على أساس ضمان رحيل الأسد عن السلطة واختيار بديل منه موقت ومقبول لدى الجميع وان تتعاون روسيا واميركا وتركيا وايران والسعودية وقطر من أجل تنفيذ هذه الخطوة والعمل معاً لتحقيق الانتقال السياسي الى نظام جديد يضمن المصالح والمطالب المشروعة لكل مكونات الشعب السوري". وتحدث أردوغان علناً عن ضرورة رحيل الأسد عن السلطة أولاً في مقابلة مع صحيفة "الموند" الفرنسية وايده في هذا الموقف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مقابلة مع صحيفة عربية بعد القمة الروسية – التركية اذ دعا الى رحيل الأسد فوراً عن السلطة".
ولاحظ المسؤول الأوروبي أنه "ضمن هذه المواقف والاقتناعات الواضحة والمحددة التي يتمسك بها أردوغان في كل اتصالاته حدث عكس ما راهن عليه حلفاء دمشق اذ أن أردوغان حقق تحولاً في مسار النزاع السوري ليس لمصلحة التقارب مع الأسد بل لمصلحة تعزيز دور المعارضة السورية اذ أن القيادة التركية نفذت في شمال سوريا عملية عسكرية برية واسعة النطاق هي الأولى من نوعها ضد تنظيم "داعش" والمقاتلين الأكراد المعادين لها بالتعاون العلني مع "الجيش السوري الحر" العدو الرئيسي للأسد ومع المعارضة عموماً وبدعم أميركي مباشر ورسمي تمهيداً لقيام منطقة محررة من الارهابيين تحت حماية تركيا وقوى المعارضة المعتدلة الأمر الذي يشكل ضربة كبيرة للنظام السوري العاجز عن التصدي لهذه التحركات التركية".
وخلص المسؤول الأوروبي الى القول: "لقد بقي النظام السوري خارج هذه المعادلة الجديدة التي فرضها أردوغان في شمال سوريا بالتعاون مع المعارضة وبدعم أميركي. وفي المقابل يحاول الأسد مع حلفائه الخروج من المازق الكبير الذي أوقع نفسه ونظامه وبلده وشعبه فيه ولكن من غير جدوى".
عبد الكريم أبو النصر/النهار
2 أيلول 2016