ما هو الهدف من الناتو؟
ترجمة وإعداد سعود المولى
ثمة استخدام لمنظّمة عسكرية لشنّ الحرب. ومن هذا الواقع ينشأ سؤالان: الحرب لمن، والحرب ضد من؟
تأسّس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العام 1950 كأداة عسكرية موجّهة ضد الاتّحاد السوفياتي للدفاع عن المصالح الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية للعالم الغربي، في المواجهة القاسية بين نظامَين اقتصاديَين واجتماعَيين متعارضَين بشكل لا يمكن اختزاله، الرأسمالية والاشتراكية.
وهو، تطبيقًا لمبدأ ترومان، حجر الزاوية في نظام احتواء الاتّحاد السوفياتي في أوروبا، والذي امتد من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ مع تحالف سينتو العسكري من عام 1955 إلى عام 1979(1)، وتحالف أوتاسي العسكري من 1954 إلى 1977(2)، وتحالف الأنزوس العسكري من 1951 إلى 1984(3).
أثناء انهيار الاتّحاد السوفياتي، وقع حلّ هذه التحالفات لعدّة سنوات، وبعد تفكّك حلف وارسو (الذي أُنشئ عام 1951 ردًّا على معاهدة شمال الأطلسي)، وجد الناتو بدوره نفسه موضع تشكيك؛ لكن الإيديولوجية الأطلسية هي أساس السياسة الاقتصادية والعسكرية للقوى الغربية، ومن ثم فقد عمل الرئيس بوش الأب والبنتاغون والأطلسيون الأوروبيون على إنقاذ الجندي المسمّى الناتو. جرى التأكيد على استدامة المنظّمة في إعلان روما بشأن السلام والتعاون الصادر في 7 و8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، والذي يحدّد "بعبارات مفاهيمية عامة، سلسلة من الأهداف الجديدة التي يعتزم التحالف المتحوّل تحقيقها في هذه الفترة الثورية (حرفيًا) في تاريخ أوروبا."
الناتو يشكّل أوروبا ما بعد الحرب الباردة
في البداية، ظلّت أوروبا المساحة الجغرافية المميّزة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) كأداةٍ للولايات المتّحدة للحفاظ على قبضتها على القارة وإقامة أوروبا ما بعد الحرب الباردة. وسوف تخدم الحرب في يوغوسلافيا السابقة هذه الخطط. في عام 1991، تمّ تبنّي "مفهوم استراتيجي جديد" والذي بموجبه أكّد حلف شمال الأطلسي نفسه، الذي تمّ تقديمه حتى الآن على أنه "تحالف دفاعي حصري"، كقوّة تدخّل. بدعوى وجود عيوب لدى الدول الأوروبية، فكلّف مهمّة ضمان استقرار النظام العالمي الجديد في القارة من خلال الاندراج العسكري للجزء الشرقي منها، ولكن أيضًا، بموجب تفويض الأمم المتّحدة، من خلال تنفيذ عمليات في البلقان.
لم يطلق حلف شمال الأطلسي مدفعًا قط خلال أكثر من أربعين عامًا من الحرب الباردة، وستكون البوسنة أول حرب ساخنة له؛ في 28 شباط (فبراير) 1994، أسقطت الطائرات الأميركية أربع قاذفات قنابل مقاتلة من صرب البوسنة كانت تقوم بالقصف(5). وفي عام 1995، أثناء التوقيع على اتّفاقيات دايتون، تحدّث وليام بيري، وزير دفاع بيل كلينتون، من دون أي فارق بسيط: "الأمر المطروح هنا (في يوغوسلافيا السابقة) هو تماسك حلف شمال الأطلسي، ومستقبل الناتو ودور الناتو". الولايات المتّحدة كزعيم لحلف شمال الأطلسي(6).
وقد تجسّد هذا "التماسك" في عام 1998 بالقرار 1203(7)، الضوء الأخضر الذي أُعطي لحلف شمال الأطلسي للتدخّل في كوسوفو. ويستند هذا القرار إلى اتّفاقٍ موقّع بين رئيس أركان القوّات المسلّحة لجمهورية يوغوسلافيا الاتّحادية والقائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي في أوروبا. فهو يمنح الناتو الحرّية الكاملة للتدخّل في كوسوفو من دون صدور قرار جديد من الأمم المتّحدة، وهو الطريق مفتوح لاستغلال مجلس الأمن الذي سيأذن بالحرب في العراق وليبيا. إن الخطابات حول الأخلاق والأخلاق والتدخّل الإنساني لا يمكن أن تخفي حقيقة "أننا في كوسوفو لم نكن قادرين على المناورة وتقديم أي شيء آخر غير هذا الاختيار الرهيب والمتوقّع بين نهاية الناتو والحرب مع صربيا."(8)
الجانب الأساسي الآخر لخطط ما بعد الحرب الباردة لحلفاء الأطلسي في القارة الأوروبية هو توسيع الناتو ليشمل الأعضاء السابقين في حلف وارسو. ويتمّ هذا النشر في انتهاكٍ لمعاهدة 2 + 4(9).
وخلال المفاوضات، قال غورباتشوف لوزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر: "إن أي توسيع لمنطقة الناتو غير مقبول"، أجابه جيمس بيكر: "ولاية الناتو لن تمتد بوصة واحدة إلى الشرق". في الواقع، بين عامَي 1999 و2004، تمّ دمج المجر وبولندا وجمهورية التشيك، ثم إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وبلغاريا ورومانيا في حلف شمال الأطلسي(10) ودائمًا ما يسبق هذا الدمج انضمام هذه الدول إلى الاتّحاد الأوروبي. ترسم واشنطن صورة أوروبا ما بعد الحرب الباردة.(11)
ينشر الناتو شبكته في جميع أنحاء العالم
بعد أن ضمن صيانته وتعزيزه في القارة الأوروبية، من خلال "المفهوم الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين"، الذي تمّ تبنيه في نيسان (أبريل) 1999، أظهر الناتو رغبته في أن يصبح منظّمة عسكرية معولمة. يتم تقديمه على أنه "سلاح للدمقرطة الشاملة"، ولأولئك الذين يدعون إلى إقامة "ناد للديمقراطيات" للتحايل على حق النقض في مجلس الأمن، ستؤكّد كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في عهد جورج دبليو بوش، بشكل قاطع: "لدينا نادي الديمقراطيات، إنه حلف شمال الأطلسي!".
مع هذه الاستراتيجية الجديدة، ندخل في دائرة الحرب الدائمة، التي سيكون بوش الابن وإدارته من المتعصّبين لها. إن تصميم حلف شمال الأطلسي العالمي سوف يتحقّق من خلال توسيع روابطه خارج منطقته الأوروبية الأطلسية التاريخية وتزويد نفسه بقدرة التدخّل الشامل. منذ التسعينات، كانت استراتيجية العولمة التي يتبناها الناتو (المصاحبة للعولمة النيوليبرالية) هي "السعي إلى إقامة المزيد والمزيد من الشراكات العالمية مع الدول ذات التفكير المماثل"، وبالتالي سيتم نسج شبكة من التحالفات العسكرية والاستراتيجية.
وكانت الولايات المتّحدة، التي كانت مهيمنة آنذاك، هي المسؤولة. وبمجرد تفكّك الكتلة السوفياتية، أصبحت سياسة الشراكة آلية أساسية لاستراتيجية الناتو. وفي عام 1991، تم تشكيل أول شراكة، وهي مجلس التعاون لشمال الأطلسي، والذي من خلال الجمع بين الدول الأعضاء الاثنين والعشرين في حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو السابق، يرمز إلى النصر السياسي والإيديولوجي لحلف الأطلسي. في عام 1992، تمّ ضمّ الدول الإحدى عشر التابعة لمجموعة الدول المستقلّة (CEI) وألبانيا إلى هذه الشراكة التي امتدت من فانكوفر إلى فلاديفوستوك(12). وهذا يعني تحقيق تصور الجغرافي ماكيندر Mackinder، كما صيغ في نظريته عام 1904: "من يحكم أوروبا الشرقية يهيمن على قلب الأرض، ومن يحكم قلب الأرض، يسيطر على الجزيرة-العالم"(13)؛ وهي النظرية التي تلهم السياسة الألمانية المسمّاة "Drang nach Osten"(14)، والتي تُشكّل جوهر فكر بريجنسكي: "من يهيمن على أوراسيا يهيمن على العالم".
وسوف ينسج حلف شمال الأطلسي أيضًا شبكة شراكاته، خارج المنطقة الأوروبية الأطلسية والاتّحاد السوفياتي السابق، في أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال الحوار المتوسّطي في عام 1994، ومن خلال مبادرة اسطنبول للتعاون (ICI) في عام 2004 والتي كانت جزءًا من عقيدة جورج دبليو بوش المجهضة حول "الشرق الأوسط الكبير".
تتمتّع هاتان الشراكتان بأهمية خاصة من حيث أنهما تسمحان لحلف شمال الأطلسي بإقامة روابط عسكرية مع دول المغرب العربي والشرق الأوسط. تشارك الجزائر ومصر والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس و... إسرائيل في الحوار المتوسّطي؛ وفي هذا الإطار، يتمّ اعتماد برامج تعاون "فردية"، ولكن يوصى أيضًا بـ"تعميق" هذه الشراكة بمشاركة مشتركة من إسرائيل والدول العربية الست المنضمّة إلى الحوار المتوسّطي.
وتؤدّي مبادرة اسطنبول للتعاون، التي انضمّت إليها البحرين والإمارات العربية المتّحدة والكويت وقطر، وظيفة مماثلة من حيث التعاون الثنائي والتكوين والتدريب العسكري. وأمام الوضع الحالي في الشرق الأوسط، فإن توسيعه مع مجلس التعاون الخليجي الذي يضمّ، بالإضافة إلى الدول الأربع الأعضاء في مبادرة اسطنبول، المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، هو موضوع مناقشات حاليًا.
هناك شراكتان أخريان لهما أهمية خاصة، شراكة الناتو-روسيا، وشراكة الناتو-أوكرانيا، وكلاهما أبرمتا في عام 1997. ويتمثّل هدفهما، في تطبيق مفهوم القدرات العملياتية الذي تبنته قمة الناتو في عام 1999، في تحسين "قدرة الحلف" والقوّات الشريكة للعمل معًا خلال عمليات الشراكة من أجل السلام التي يقودها الناتو.
مع روسيا أحد الأهداف هو إشراكها بشكل أكبر في الخطّة، التي تمّ تبنيها في عام 2002، للعمل ضد الإرهاب. وفيما يتعلق بالشراكة مع أوكرانيا، فإن الهدف هو استكمال عملية اندماجها في حلف شمال الأطلسي. كان إعلان قمة الناتو في عام 2008، عندما تحدثت أغلبية الدول الأوروبية لصالح تأجيل اندماجها، واضحًا: "يرحّب الناتو بالتطلعات الأوروبية الأطلسية لأوكرانيا، التي ترغب في الانضمام إلى الحلف... و[خطّة العمل لعضويتها] تمثّل الخطوة التالية على المسار الذي سيأخذها مباشرة إلى العضوية". ولتذكير من ينسى: "إن القرارات المتعلّقة بالتوسيع هي مسؤولية الناتو وحده". ومنذ عام 2008، سعت اللجنة المشتركة بين حلف شمال الأطلسي وجورجيا إلى تحقيق نفس الهدف وتشكل إطار إدراج جورجيا الأوروبي الأطلسي.
إضافة، لاستكمال هذا النطاق من الشراكات، هناك "أنشطة تعاونية" مع العراق وأفغانستان وباكستان ومنغوليا وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا.(15)
يشرح الإعلان الختامي لقمة بوخارست في عام 2008، بوضوح السبب وراء هذه الشراكات: "يولي التحالف قيمة كبيرة للعلاقات المتنوعة التي يطورها مع الشركاء الآخرين في جميع أنحاء العالم. وتشمل الأهداف التي نسعى لتحقيقها في هذه العلاقات دعم العمليات والتعاون في المسائل الأمنية وتقريب المواقف خدمة للمصالح الأمنية المشتركة والقيم الديمقراطية."
غير أن التاريخ ليس خطّيًا: فالتوتّرات في الجزء الشرقي من أوروبا، والدمار والرعب في الشرق الأوسط، والتقهقر والتصدّعات في إفريقيا، والعنف والعداءات في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، أدّت إلى تغيير عميق في دور هذه الشراكات وأهميتها.
القدرة على التدخّل الشامل
في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبعد أن كسر إطاره التاريخي الأوروبي الأطلسي، أصبح حلف شمال الأطلسي، تحت وصاية الولايات المتّحدة، الذراع المسلّح للهيمنة الغربية، مع مهمّة المساعدة في فرض الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق في جميع أنحاء العالم. يحدّد المفهوم الاستراتيجي لمنظّمة حلف شمال الأطلسي الذي تم تبنيه في عام 1999 هدف "حماية الحرّية والأمن بالوسائل السياسية والعسكرية" في أميركا الشمالية وأوروبا. وسوف تتجسد هذه الاستراتيجية في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أثناء الحرب في أفغانستان.
عندما تولّت قوّة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف)، بموجب تفويض من مجلس الأمن، مسؤولية العمليات في أفغانستان، أصبح حلف شمال الأطلسي منظمة عالمية. وقد أكّد أمينه العام، ياب دي هوب شيفر Jaap de Hoop Scheffer، على هذه الاستراتيجية وأعلن في عام 2004 "لا بدّ أن يكون هدف الحلف تصدير الأمن في كافة الاتّجاهات، حيثما كان ذلك ضروريًا". في عام 2006، خلال قمة ريغا، وفي ظلّ هذه النشوة المهيمنة، تقرّر أن يكون حلف شمال الأطلسي قادرًا على تنفيذ عمليتَين واسعتَي النطاق في وقت واحد، تتطلب كلّ منهما 60 ألف رجل، وست عمليات متوسّطة تضمّ كلّ واحدة 30 ألف رجل، أي ما يعادل التزام عملياتي بحدود 300.000 رجل!(16) يريد البعض أن يحلّ الناتو محلّ الأمم المتّحدة قافرين فوق صلاحياتها وأسسها المتعددة الأطراف ، ليصبح الحلف "جهاز أمن الأمم المتّحدة".
في عام 2007، النشوة لا تزال قائمة. قال دانييل فرايد Daniel Fried، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأوروبية والأوراسية في عهد باراك أوباما: "لقد تحوّل الناتو إلى منظّمة عبر الأطلسي تقوم بمهام عالمية ذات نطاق عالمي مع شركاء عالميين. وفي أفغانستان يتجلّى هذا التحوّل بشكل أوضح. لقد تجاوزت هذه المسألة بشكل قاطع المناقشة الصلة بين داخل وخارج، التي استمرّت لفترة طويلة في تسعينات القرن العشرين. لقد أصبح كلّ شيء بِالَجَبْر تابعًا لمنطقة حلف شمال الأطلسي... ويعمل حلف شمال الأطلسي على تطوير القدرات السياسية ووجهات النظر اللازمة لمعالجة المشاكل والطوارئ التي تحدث في جميع أنحاء العالم.(17)
لكن تدخّلات الناتو أو التحالفات الغربية في العراق وأفغانستان وليبيا، تحت غطاء "حق التدخّل الإنساني"، ثم "واجب الحماية"، والتي حصلت من زاوية القوّة العسكرية فحسب، والتي تم خلالها، كما في غوانتانامو، وباغرام والفلوجة، ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تكيفنا معها، لم تسفر إلّا عن نشر الفوضى والضَغِينَة والعداوة.
هذه التدخّلات تتجاهل وتزدري الحقائق التاريخية والمجتمعية للسكان، فلا تنشر غير الحقد والكراهية: والحليف الأول، أي تنظيم القاعدة، سوف يحمل في أحشائه داعش، الذي تمتد مخالبه، بمكونات مختلفة، وتحت تأثيرات دولية وطائفية مختلفة، إلى جميع أنحاء العالم في قوس يمتد من جنوب شرق آسيا إلى غرب إفريقيا حيث يصبح سكان هذه البلدان، الضحايا الأول والرئيسيين. وإلى رجاسات التعصب والظلامية يأتيهم رعب الأساطيل الغربية ذات التقنية العالية.
فإذا كانت الأهداف دائمة، فإن مسار التاريخ لن يكون كذلك أبدًا. وفي عام 2010، في قمة حلف شمال الأطلسي في لشبونة، اعتُمِد "مفهوم استراتيجي جديد" ثالث يستعيد المواضيع الرئيسية للمفاهيم السابقة؛ ولكن بسبب الإخفاقات العسكرية للعمليات التي قام بها حلف شمال الأطلسي أو التحالفات الغربية، فإن نشوة التسعينيات ومطلع القرن الحادي والعشرين لم تعد صالحة. يضاف إلى هذا الأزمة الاقتصادية والمالية، التي تجعل عولمة حلف شمال الأطلسي أمرًا مستحيلًا؛ ستبقى قوة الرد السريع التابعة لحلف شمال الأطلسي والتي يبلغ قوامها 300 ألف رجل، بحسب الخبراء، "مثل سيارة رولز رويس لم تغادر المرآب قط"، وهو ما يبدّد "اقتراح رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه ماريا أثنار بجعل حلف شمال الأطلسي منظمة عالمية تشمل أيضًا اليابان وأستراليا وإسرائيل وسنغافورة وربما دولًا أخرى."(18)
وهذا انتهت صرعة أن "الناتو هو هيئة أمم متّحدة للأمن."
إن السياسة الأطلسية القائمة على قوّة السلاح والتدخّلات العسكرية، بدلًا من سياسات منع الأزمات واللجوء إلى الدبلوماسية الفاشلة، جعلت من مخطط الولايات المتحدة للهيمنة مجرد فترة قصيرة في التاريخ، أقل من عشرين عامًا.
الخروج من نشوة الهيمنة
أمامنا اليوم عواقب سياسات التدخّل: الهزائم العسكرية في أفغانستان والعراق، وبلدان في حالة يرثى لها (ليبيا والساحل) أو في حالة اضمحلال (في البلقان وإفريقيا)، وصراعات ناجمة عن الحفاظ على مناخ "الحرب الباردة" في أوروبا (أوكرانيا وجورجيا)، وظهور داعش، وهي نتاج مباشر لسياسات التدخّل الغربية، ولكن أيضًا صعود قوى جديدة، لا سيما الصين، التي تنقل المواجهة الرئيسية للولايات المتّحدة من أوروبا إلى شرق آسيا، وهذه الحقائق الجديدة ستجبر أنصار الأطلسي. وحلف شمال الأطلسي نفسه على مراجعة طموحاتهم واستراتيجيتهم الكوكبية.
لا يتعلق الأمر بالتقليل من شأن القوة الاقتصادية والعسكرية للغرب، إذ يظل حلف شمال الأطلسي أقوى تحالف عسكري على الإطلاق في التاريخ. في عام 2013، بلغت ميزانيات الدفاع للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي البالغ عددها 28 دولة ما قيمته 952.538 مليار دولار(19)، أي 54.5% من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم! ولكن مع ميزانية دفاع تبلغ 640.221 مليار دولار، أي أكثر من ضعف الميزانيات العسكرية للدول الأعضاء السبعة والعشرين الأخرى، لا يوجد حلف شمال أطلسي من دون الولايات المتّحدة.
ومع ذلك، فإن تطور الوضع الدولي يتطلب منا أن نضيف بعض الفروق الدقيقة على هذه القدرة الغربية المطلقة. وعلى الرغممن أن الميزانيات العسكرية للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لا تزال هي الأكبر في العالم، فقد تم تخفيضها (بالقيمة الثابتة للدولار)، ليس نتيجة لسياسة نزع السلاح والسلام، ولكن بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية، في عام 2013 بنسبة 9.3%(20) مقارنة بعام 2009.
كان للأزمة الاقتصادية والمالية نتيجة أخرى في العالم الأطلسي: فقد لاحظنا اتّجاهًا تنازليًا في قوّتها. في عام 2000، كانت أربعة عشر من أكبر ثلاثين اقتصادًا في العالم هي الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي(21) وتمثّل 63.2% من الناتج القومي الإجمالي لاقتصادات الدول الثلاثين. في عام 2013، وقد انخفض عددها إلى ثلاثة عشر، لم تعد تمثّل سوى 53% من الناتج القومي الإجمالي لهذه الاقتصادات الثلاثين، وهو انخفاض ملحوظ بنسبة 10.2%.(22)
لكن الأهم أنه على أرض الصراعات وفي المجال الاستراتيجي العسكري، ستواجه القوى الأطلسية أكبر انتكاساتها. على الرغم من عدم وجود دولة في العالم اليوم تتمتّع بقوّة نيران وقدرة نشر أكبر من الولايات المتّحدة، وأنه لم يكن هناك في التاريخ تحالف يتمتّع بموارد عسكرية ولوجستية تعادل تلك التي يمتلكها الناتو، لم تفز الولايات المتّحدة وحلفاؤها بأي من هذه الحروب غير المتكافئة التي اندلعت خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. كما روى سالوست Salluste قبل 2150 عامًا في "حرب يوغرطة"، فإن الإنهاك، وحرب الاستنزاف، وغياب تشكيل مواجهة ، ومعرفة التضاريس، والاندماج في السكان، وحرب العصابات تظل فخًا مطلقًا لجيوش الاحتلال، مهما كانت قوّتها.
في زمن هيمنتها، كان بإمكان الحكومات الغربية وهيئات أركانها العامة أن تقترح، بدلًا من قوة السلاح، سياسة منع الأزمات؛ لقد بدأ النقاش حول هذا الموضوع في التسعينيات، بما في ذلك داخل حلف شمال الأطلسي. ولكن كما سمعت آنذاك: "منع الأزمات ليس له مستقبل، لأنه لا يدر أي أموال". ولذلك فقد كان الخيار مع "الحروب العادلة"، تحويل "حق التدخل الإنساني" أو "واجب الحماية" إلى حق التدخل العسكري، أو اللجوء إلى الحرب المضادة للثورة وعناصرها الثلاثية: إرهاب، عودة، تهدئة، على الرغم من أن فشل هذه النظرية عرفناه بالفعل في حروب الجزائر وفيتنام أو في عملية كوندور في أمريكا الوسطى واللاتينية.إنه خيار استراتيجي بتكلفة بشرية مرعبة، فالفوضى الناتجة عن سياسات التدخل السياسي والتدخّلات العسكرية لحلفاء الأطلسي واستراتيجيي مركز SHAPE(23)، لم تعد تحت السيطرة تمامًا، وتعاني مناطق ضخمة يتنقل داخلها مئات الملايين من الأشخاص، من حالات صراع أو تمزقها حروب أهلية وطائفية.
هل هي نهاية الطموحات الكوكبية؟
لقد ولّى زمن غطرسة الناتو. ومع الأخذ في الاعتبار الحقائق الجيوسياسية، والإخفاقات العسكرية على الأرض، وموقف الدول الأعضاء القائم على خلاص كل واحدة لنفسها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بشكل حاد هو: "ما هو الهدف الذي يسعى إليه حلف شمال الأطلسي اليوم؟".
ملاحظة أولى: إذا كانت الأيديولوجية الأطلسية هي لحمة الأداة العسكرية الأوروبية الأطلسية ، فإن طبيعتها، كما صممت في عام 1949، قد تغيرت. هناك عدة أسباب لذلك: الأول، من خلال خروجه خارج منطقته، قام الناتو بتعديل دوره وطبيعته بشكل عميق. وقد رافق هذا الخروج، في خلال تدخلات الناتو، إنشاء تحالفات تشمل، وفقًا للمصالح الخاصة والجيواستراتيجية للدول المعنية، الدول الأعضاء في الناتو، والدول الأوروبية غير الأعضاء والدول خارج المنطقة. وهكذا شاركت في أفغانستان إحدى وخمسون دولة في العمليات: الدول الثماني والعشرون الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، واثنتا عشرة دولة أوروبية غير عضو، وأربع دول آسيوية، وثلاث دول أوقيانوسية، وثلاث دول شرق أوسطية، ودولة واحدة من أميركا الوسطى. وبالتالي، لم يعد الأمر يتعلّق بتدخّل منظّمة حلف شمال الأطلسي، بل بتحالف أيديولوجي وسياسي للدول، بقيادة الولايات المتّحدة، تشكّل الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي العنصر الأساسي فيه.(25)
ونتيجة للمآزق العسكرية والمالية، وبرغم تعدّد الصراعات ومناطق الأزمات، فقد كتم الصوت بخصوص التدخلات في كل مكان. أدى ذلك إلى انخفاض حاد في القوات المشاركة في عمليات حلف شمال الأطلسي: في فبراير 2011، في أفغانستان وحدها، كان هناك 131.983 جنديًا يشاركون في قوّة المساعدة الأمنية الدولية(26)؛ في كانون الثاني (يناير) 2015، تم نشر أقل من 20 ألف رجل وامرأة في عمليات الناتو المنفذة في أفغانستان (عملية الدعم الحازم، وهي لمساعدة الجيش الأفغاني)، وفي كوسوفو (عملية قوة كوسوفو، لتأمين أمن وسلامة البلاد)، وفي البحر الأبيض المتوسط (عملية إنديفور Active Endeavour، وهي للمراقبة البحرية)، في خليج عدن وقبالة القرن الأفريقي (عملية درع المحيط، ضد أعمال القرصنة) وفي الصومال (عملية أنيسوم Anisom لدعم الاتّحاد الأفريقي).
بالنظر إلى الوضع الحالي في العراق وسوريا وليبيا ومنطقة الساحل وخارجها، فإن هذا يعني وقف العمليات المسلحة الكبرى. وتدير الولايات المتحدة، بمساهمات من الدول الأعضاء وغير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، الفوضى من خلال شن ما يسمى بالحروب "منخفضة الشدة"، لكن حلف شمال الأطلسي لم يعد يشارك بشكل مباشر (باستثناء الدعم اللوجستي) في العمليات الكبرى خارج المنطقة.
الحقيقة الأخرى التي تعدل طبيعة الناتو هي نقل مركز ثقل استراتيجية البنتاغون الدفاعية نحو شرق آسيا (تعتبر واشنطن الصين التهديد العسكري الرئيسي على المدى المتوسط). وهذه عودة إلى عقيدة الأميرال ألفريد ماهان Alfred Mahan، الذي أكّد في نهاية القرن التاسع عشر على الأهمية الاستراتيجية للمحيط الهادئ والمحيط الهندي بالنسبة إلى الولايات المتّحدة. تم تعديل رؤية حلف شمال الأطلسي من كونه حلف أوروبي أطلسي شامل بناء على خطط لإنشاء "حلف شمال أطلسي" لجنوب شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، والذي يضم كوريا الجنوبية، والفلبين، وأستراليا، ونيوزيلندا، واليابان كمحور له ــوهو الأمر الذي أصبح ممكنًا بفضل عودة النزعة العسكرية اليابانيةـ.
بالنسبة إلى البنتاغون، يعتبر الناتو "التاريخي" ترسًا مفيدًا في نظامه الشامل ضمن قيادة القوات القتالية المسلحة للولايات المتحدة. وضع الناتو تحت سلطة الرئيس ووزير الدفاع، وهو يقسم الكوكب إلى ست "مناطق مسؤولية" عسكرية مخصصة للقيادات الرئيسية؛ إحدى هذه المناطق هي القيادة الأوروبية (EUCOM)، والتي تغطي أوروبا الغربية والبلقان وأوكرانيا وبيلاروسيا والقوقاز وروسيا.(27) وعلى هذا فإن نظام حلف شمال الأطلسي في القارة الأوروبية مندمج في نظام البنتاغون الشامل. يعد هذا التكامل أمرًا طبيعيًا جدًا، فمنذ عام 1952، وهو العام الذي بدأت فيه القيادة الأوروبية عملياتها، كان قائدها دائمًا هو أيضًا القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا! البنتاغون هو الذي يتولى القيادة، لكن أوروبا تمول عمليات حلف شمال الأطلسي. ففي حين أنه في عام 2013، مثل الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الـ26 45.9% من إنفاق الولايات المتحدة، في نفس العام، جاء تمويل 72.3% من ميزانية الناتو من الدول الأوروبية و21.7% من الولايات المتّحدة.
إذا كان حلف شمال الأطلسي هو الترس الاستراتيجي للبنتاغون، فإن وظيفته السياسية المتمثلة في ضمان سيطرة الولايات المتحدة على أوروبا وكونه الركيزة التي تلحم الأطلسيين الأوروبيين خلف الراية المتلألئة بالنجوم، ضرورية لواشنطن. ليس من المفارقة إذن أن تتواجد الولايات المتحدة بشكل خاص على الحدود الشرقية لأوروبا، في وقت يتراجع فيه دور حلف شمال الأطلسي كقوّة تدخّل معولمة.
نرى ذلك مع نشر درع "الدفاع الصاروخي"(28) والذي سيعمل بكامل طاقته في القارة في عام 2018، مع قاعدة ديفيسيلو Deveselu المضادة للصواريخ في رومانيا، مع مرافق ومنشآت في بولندا وتركيا، وسفن البحرية الأميركية المتمركزة في روتا بإسبانيا، ومركز العمليات في القاعدة الأميركية في رامشتاين، في ألمانيا الاتّحادية.
ويتجلى ذلك أيضًا في سياسة التوسع التي ينتهجها حلف شمال الأطلسي في القارة، من خلال التدخل في ما تعتبره روسيا "مجالها الحيوي"، مما يخلق حالة حرب في أوكرانيا. لماذا ترتدي الحدود الشرقية لأوروبا أهمية كبيرة بالنسبة لواشنطن؟ إنها استراتيجية محفوفة بالتهديدات، وهي كانت ولا تزال سيناريو زبيغنيو بريجنسكي من يهيمن على أوراسيا يهيمن على العالم، ومن جبال الأورال إلى بحر اليابان، فإن روسيا هي محور هذه القضية.
بعد الانتباه إلى أن الناتو يمرّ بمرحلة انتقالية، هل يعني ذلك أنه في حقل من الخراب والمقابر، سيتم التخلي عن سياسات التدخّل خارج المنطقة، في الشرق الأوسط وأفريقيا؟ بالتأكيد لا، فإذا لم يكن حلف شمال الأطلسي ينفذ حاليًا أي عمليات كبرى، فذلك بسبب الإخفاقات العسكرية المتتالية التي تجعل رئاسة أوباما والأطلسيين الأوروبيين يترددون في خوض مغامرات عسكرية جديدة. ولكن السبب أيضًا هو أن الجامعة العربية تطالب في ليبيا وسوريا بحل سياسي وتعارض أي تدخل غير التدخل الجوي. علاوة على ذلك، في سوريا، فإن حق النقض الذي تتمتع به روسيا والصين، متكئة على حجة عدم الامتثال لقرارات الأمم المتّحدة أثناء التدخل في ليبيا، يجعل من المستحيل، على العكس من كوسوفو وأفغانستان والعراق، الحصول على تفويض من مجلس الأمن.
لكن حلف شمال الأطلسي يظل أداة لتنفيذ الأعمال العسكرية، مع تعديل أساليب التدخل وفقًا للأماكن والظروف والصراعات. ولهذا، لديه ثلاث قوات نشطة دائمة وهي مهمات الشرطة الجوية (طائرات مقاتلة تقوم بدوريات جوية)، والقوات البحرية الجاهزة للتدخل في جميع المحيطات، ونظام الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ الباليستية الذي يغطي العالم. ومن ثم فإن تخفيض عدد المشاركين في العمليات الميدانية لا يعني بأي حال من الأحوال اختفاء الحلف؛ يظل الناتو في حالة تأهب دائم، ومهمته دائمًا هي الدفاع عن المصالح الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية للغرب وفرض الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق في جميع أنحاء العالم.
الناتو، أي بوصلة؟
في هذه اللحظة الانتقالية وإعادة التركيز على القارة الأوروبية، أصبحت أوكرانيا الجبهة الرئيسية لحلف شمال الأطلسي، بل وأكثر من ذلك، مبرره. وهكذا، في إطار عملية العزم الأطلسي Atlantic Resolve ، منذ بداية عام 2015، جرى تنظيم مناورات في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، ومع عملية الطمأنة Reassurance، في البحر الأسود، قبالة سواحل شبه جزيرة القرم.(29) وهذه هي المرة الأولى، منذ مطلع التسعينيات، التي تجري فيها مناورات واسعة النطاق (25 ألف رجل وأكثر) في الجزء الشرقي من أوروبا، على حدود روسيا. وقد نشرت الولايات المتحدة معدات ثقيلة وطائرات هليكوبتر ودبابات، وفي نهاية هذه المناورات، استعرض أكثر من مائة مركبة مدرّعة أميركية لمسافة تزيد عن 1800 كيلومتر، من دول البلطيق إلى بافاريا، مما أثار مظاهرات، خاصة في جمهورية التشيك، ضد استعراض القوّة هذا.
تقول الدول الغربية إنها تخشى روسيا، وتشعر روسيا بالتهديد من الغرب، ويجب علينا الخروج من هذه الدوامة الكارثية؛ ولكن نائب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الجنرال ألكسندر فيرشبو Alexander Vershbow، المنغلق في منطق الحرب الباردة، ذهب إلى حدّ التأكيد في الثاني من أيار (مايو) 2014: "من الواضح أن الروس أعلنوا أن حلف شمال الأطلسي هو خصمهم، ولذلك يتعين علينا أن نبدأ في إدراك أن روسيا لم تعد شريكا، بل عدوًا."(30)
ولتعزيز الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، لم يقتصر الأمر على إعادة تنشيط قوّة الردّ السريع، التي يمكن أن يصل عددها إلى 30 ألف رجل، بل قرر وزراء دفاع الناتو، في 5 شباط (فبراير) 2015، إنشاء "قوة رأس الحربة" قوامها 5000 رجل والقوات المسلحة، وإقامة ستة مراكز لوجستية في لاتفيا وإستونيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وبلغاريا. والدول المؤطرة لهذه القوّة المستعدّة للتدخّل على حدود روسيا هي ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتّحدة. وتشارك هولندا والنرويج أيضًا. ويتسم تدريب "قوة رأس الحربة" بالكثافة، وستهدف المناورات السنوية الكبرى "ترايدنت جانكتشر Trident Juncture" التي ستجرى في خريف عام 2015 في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، إلى اختبار مستوى استعدادها.
إن ال‘يديولوجية الأطلسية هي إيديولوجية تدخّلية. هي كذلك في أوروبا، كما في كلّ العالم. بمجرد عبور الروبيكون (اتّخاذ قرار خطير لا رجعة فيه)، لن يكون هناك عودة إلى الوراء، والضحايا الرئيسيون في جميع الحروب هم الناس.(31) وتزداد خطورة استراتيجية التوتر هذه لأن هيئة الأركان العامة لحلف شمال الأطلسي تخضع حاليًا لقيادة أحد الصقور، وهو جنرال القوات الجوية فيليب م. بريدلاف Philip M. Breedlove، الذي أكثّر، وفقًا لتقليد بوش في تسميم الآراء، من التصريحات بشأن "الغزو الروسي لأوكرانيا وأوروبا الشرقية"، وهي تصريحات اعتبرها حتى حلفاؤه مشينة.(32) وقد أكسبه ذلك تذكيرًا بأن يكون أكثر اعتدالًا، وأن يوضع خلال المؤتمرات الصحفية تحت رقابة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج Jens Stoltenberg، وهو المناصر الأطلسي الثابت ، ولكن الأكثر خبرة في الدبلوماسية والاتّصالات.
هل من مصلحة الشعب الأوروبي البحث عن حل دبلوماسي للأزمة الأوكرانية أم اللجوء إلى التهديد بالسلاح؟ ومن يصدّق القادة الروس المستعدون لشنّ حرب انتحارية من أجل بلادهم وشعبهم؟ أحد مبادئ التفاوض هو الاستماع إلى الطرف الآخر. وفي حالة روسيا، وفي قلب الصراع الأوكراني، وكما كانت الحال في الصراع الجورجي، وكما هي الحال بالنسبة لأي قوة عظمى، تنشأ مسألة "المجال الحيوي". هناك رغبة سياسية وأيديولوجية في عدم فهم أن أي توسّع لحلف شمال الأطلسي إلى حدودها عو أمر لن تقبله روسيا، ويعتبر خطًا أحمر استراتيجيا، أسوة بالولايات المتّحدة في تطبيقها مبدأ مونرو، طوال قرنين من الزمان دافعت فيهما عن أراضيها وشنّت الحروب، وضاعفت الانقلابات، ودعمت الديكتاتوريات، ورعت الاغتيالات في أمريكا الوسطى والجنوبية.
إن معرفة الخيارات الاستراتيجية لحلف شمال الأطلسي والخيارات السياسية للقادة الأطلسيين الذين يحكموننا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل أنه في أي صراع هناك طرفان (على الأقل) حاضران ويواجهان بعضهما البعض، وأنه من المناسب معرفة أهداف كل منهما، أي في هذه الحالة، أهداف موسكو وكذلك واشنطن و برلين و باريس و وارسو و كييف. ومع ذلك، فإن الأمر متروك لنا، كمواطنين، لتعلم الدروس وإدانة السياسات التي اتبعتها حكوماتنا على مدى خمسة وعشرين عامًا، والاعتراف بالمسؤوليات التي تنشأ عن هذه السياسات في حالة الصراع التي تعيشها أوروبا وأوروبا.
إن مسألة مستقبل حلف شمال الأطلسي تُطرح اليوم كما كانت تُطرح في مطلع التسعينات، وهي تُطرح لجميع الأسباب المذكورة آنفًا: الجيوسياسية، والعسكرية، والمالية، ولكن أيضًا بسبب المصالح والمفاهيم الاستراتيجية المتناقضة التي تخترق الناتو، بين الولايات المتحدة وأوروبا، وبين الدول الأوروبية نفسها. فيما يتعلق بجميع الصراعات التي تهدد السلام الدولي، لا توجد مواقف مشتركة بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وتختلف الأساليب فيما يتعلق بأوكرانيا أو روسيا، والخلافات واضحة فيما يتعلق بالتمزقات في الشرق الأوسط؛ وأفريقيا مهملة من قبل البعض، وهي في قلب المخاوف بالنسبة للآخرين، ونحن نجد عددًا من مفاهيم الدفاع الأوروبي يساوي عدد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ما هو حلف شمال الأطلسي اليوم؟ الغرض من أي هيكل هو إدامة نفسه، وبالتالي من خلال الحرب (الباردة أو الساخنة) يمكن أن يضفي الشرعية على وجوده ودوره. كان هذا هو الحال بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، حيث أصبح الناتو قادرًا على ضمان استمراره من خلال وجود بؤرة للحرب في البلقان، ومن هنا خطر أن تكون أوكرانيا أو أي صراع آخر مبررًا له اليوم.
إن نتائج خمسة وعشرين عامًا من "الحروب العادلة" التي كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) أداة أساسية فيها، تدين الناتو. وإذا لم تعد الإيديولوجية الأطلسية المسؤولة عن هذه السياسات التدخّلية تحمل مشروع الهيمنة، فإن ذلك لا يغيّر طبيعتها ولا منطق القوة والهيمنة. ولهذا السبب، يتعيّن علينا أن نتخلّى عن المفاهيم الأطلسية التي تعتمد على قوّة السلاح والتدخّلات العسكرية من جانب حلف شمال الأطلسي للحفاظ على هيمنة القوى الغربية وفرض اقتصاد السوق على العالم. ويتعيّن علينا أن نحرّر أنفسنا من الولاء لحلف شمال الأطلسي، وهو ما أعلنه الكتاب الأبيض بشأن الدفاع والأمن القومي الذي تم اعتماده في عام 2013 تحت رئاسة فرانسوا هولاند، والذي تمّ التأكيد فيه على أن "التحالف هو أحد ركائز الدفاع السياسي الفرنسي. ويجب علينا أن نطالب دائمًا بحله الناتو.
وكما أن سياسات اقتصادية أخرى ممكنة، فإن سياسة أمنية ودفاعية أخرى ممكنة، من خلال جعل التعدّدية وثقافة التفاوض هي السائدة في العلاقات الدولية، ومن خلال إعطاء الأمم المتّحدة كل شرعيتها للتصرّف في حالة تهديد السلام وأعمال العدوان. إن تعدّدية الأطراف ليست رؤية مثالية لعالم مثالي، فهي لا تقضي على شبكة التناقضات التي تصيب الشعوب والدول والقارات؛ يظلّ الصغير صغيرًا والقوي قويًا، ولكن لا توجد طريقة أخرى غير التعدّدية لتعزيز نظام أكثر إنصافًا للعلاقات الدولية وإعطاء صوت لسياسة العقل، وللخروج من التأثير التراكمي لسياسات الهيمنة الإمبريالية والعلاقات غير المتكافئة بين الدول والشعوب.
ترجمة وإعداد سعود المولى
السبت 31 آب 2024
1- تحالفٌ عسكري من 1955 إلى 1979 بين المملكة المتّحدة وتركيا والعراق وإيران وباكستان.
2- تحالفٌ عسكري من 1954 إلى 1977 بين الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وفرنسا (انسحبت منه عام 1965) وباكستان وتايلندا والفلبين وأستراليا ونيوزيلندا.
3- تحالفٌ عسكري من 1951 إلى 1984 بين الولايات المتّحدة وأستراليا ونيوزيلندا.
4- دراسة الأمين العام المساعد لوحدة العلاقات السياسية في الناتو فون مولتكيه G. von Moltke, Le Nouveau programme de l’Otan. Revue de l’Otan, février 1992.
5- في يوغوسلافيا السابقة تدخّل جنود الولايات المتّحدة في إطار الناتو وليس القبعات الزرق التابعة للأمم المتّحدة.
6- لوموند، 8-9 تشرين الأول (أكتوبر) 1995.
7- إحالة إلى مقالٍ للكاتب نفسه « Vers une Otan “à la carte” », La Pensée, n° 372, octobre-novembre-décembre 2012.
8-Ivo Daalder, analyste à la Brooking Institution, Le Monde, 25 mars 1999.
9- Traité « portant règlement définitif concernant l’Allemagne », signé en 1990 entre la République fédérale allemande, la République démocratique allemande, les États-Unis, la France, le Royaume-Uni et l’Union soviétique.
10- La Croatie et l’Albanie le seront en 2009.
11- L’élargissement de l’Otan viole également le Traité sur les forces armées conventionnelles en Europe signé en 1990. Selon ce traité, pour maintenir l’équilibre, quand un pays membre de l’ancien Pacte de Varsovie adhère à l’Otan, on doit procéder à une réduction des forces armées dans la partie occidentale de l’Europe. Un simple artifice juridique va permettre de contourner l’engagement pris. L’Otan n’est pas signataire du Traité sur les forces armées conventionnelles, les signataires en sont les États, l’Otan en tant que telle n’est donc pas tenue de le respecter.
12- Devenu en 1997 le Conseil de partenariat euro-atlantique (CPEA), il compte 50 membres, les 28 États membres de l’Otan et 22 États partenaires, dont la Russie, les 11 États de la CEI et 10 États européens non membres de l’Otan.
13- Pour Mackinder, l’« Heartland » est l’espace russe, « l’Île-monde », sont les continents européen, africain et asiatique.
14- المسيرة إلى الشرق.
15- L’Otan revendique également des relations bilatérales qualifiées de « flexibles », avec la Chine, l’Inde, Singapour, l’Indonésie, la Malaisie et la Colombie.
16- Pour rappel, les effectifs maximums de l’ISAF, en Afghanistan, furent, en 2010, de 150 000 hommes.
17- 17 avril 2007.
18- Le Temps, Genève, 23 octobre 2008.
19- الأرقام هي تلك الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، بالقيمة الثابتة للدولار (2011).
20- Les dépenses militaires globales dans le monde ont, durant cette période, augmenté de 2 %.
21- En 2000 : États-Unis, Allemagne, Royaume-Uni, France, Italie, Canada, Espagne, Pays-Bas, Turquie, Belgique, Pologne, Norvège, Danemark, ce dernier ne figure plus dans le classement en 2013. Chiffres du FMI.
22- Les données concernant les multinationales, dont certaines ont des chiffres d’affaires supérieurs au PIB d’États moyens, confirment cette tendance. Selon Forbes 500, en 2005, 19 des 20 plus grandes multinationales avaient leur siège dans des pays membres de l’Otan (9 étatsuniennes et 10 européennes), elles ne sont plus en 2013 que 13 (6 étatsuniennes et 7 européennes).
23- المقر الرئيسي لقوى الحلفاء في أوروبا.
24- Voir « Vers une Otan “à la carte” », La Pensée, art. cité.
25- Il convient d’ajouter la privatisation des guerres. Fin 2009, 130 000 personnes étaient sous contrat de sociétés privées en Afghanistan !
26- التي كان يقودها حلف شمال الأطلسي منذ أغسطس 2003، وأنهي عملها في كانون الأول (ديسمبر) 2014.
27- Les cinq autres commandements sont : le Commandement Nord, pour le continent nord-américain, le Commandement Sud, pour l’Amérique centrale et le continent sud-américain, le Commandement Centre, pour le Moyen-Orient et l’Asie centrale, le Commandement Pacifique, de l’Inde aux îles du Pacifique et le commandement Afrique, pour le continent africain.
28- نظام الدفاع الصاروخي العالمي للولايات المتّحدة.
29- Ce à quoi répondent des manœuvres de l’armée russe, dans la mer Baltique, la mer Noire, en Arctique et en Extrême-Orient.
30- خلال مؤتمر صحفي (أسوشيتد برس).
31- Le déploiement de missiles antimissiles US Patriot, sous contrôle du Pentagone, en Pologne et de missiles balistiques Iskander par la Russie, participe de cette escalade qui peut devenir incontrôlable.
32- Le général Christophe Gomart de la Direction du renseignement militaire (DRM) a été très clair à ce propos lors de son audition devant la Commission de la défense nationale : « L’Otan avait annoncé que les Russes allaient envahir l’Ukraine alors que, selon les renseignements de la DRM, rien ne venait étayer cette hypothèse… Les Russes n’avaient pas déployé de commandement ni de moyens logistiques, notamment d’hôpitaux de campagne, permettant d’envisager une invasion militaire et les unités de deuxième échelon n’avaient effectué aucun mouvement. »