اللقاءُ الأخير... والدائم
الأحد 12 أيلول 1982 اتّصل بي الرئيسُ بشير الجميّل يَسألُني إذا كنتُ أنهيتُ خِطابَ القسَم الذي كلّفني إعدادَه. تواعَدْنا على اللقاءِ في دارتِه في بكفيّا التاسعةَ من مساءِ الإثنين 13، أي عشيّةَ استشهادِه.
الأحد 12 أيلول 1982 اتّصل بي الرئيسُ بشير الجميّل يَسألُني إذا كنتُ أنهيتُ خِطابَ القسَم الذي كلّفني إعدادَه. تواعَدْنا على اللقاءِ في دارتِه في بكفيّا التاسعةَ من مساءِ الإثنين 13، أي عشيّةَ استشهادِه.
يا عشّاق تمثال الحرّية يؤسفني أن أعلمكم ان الولايات المتّحدة الأمريكية لن تقاتل دفاعًا عن عشّاقها ولن تبذل شبابها إلّا دفاعًا عن مصالحها وأنكم لن تكونوا من عشّاقها ما لم تملكوا السلاح والرجال والأرض والشرف المصان.
... على أَيِّ حال، أَرى أَنكَ انفصلتَ عن واقع لبنان اليوم ووضْع اللبنانيين المقهورين في حياتهم اليومية.
اِستمعت إلى فيديو يظهر الوزير السابق الدكتور إلياس سابا، وهو يدعو الناس إلى مهاجمة السياسيين في بيوتهم. وتلقيت اتّصالًا من أحد وجوه الثورة يشعرني بمدى يأسه من الحالة القائمة في وطننا.
لم يكن الانهيار الكبير في لبنان وليد لحظته. ولم يكن سببه ثورة ١٧ تشرين كما يحاول أن يصوّره البعض، متناسيًا أن الثورة، وإن كانت نتائج حراكها عقيمة، كانت جرّاء الغرق البطيء الذي تعود مسبّباته لعدّة عوامل وخيارات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة لعقودٍ من الزمن.
كان شهر يوليو ٢٠٢١ المنصرم حافلًا بالإنجازات والإخفاقات البشرية. فمن ناحية نجحت شركة فيرجين ولأول مرة بتاريخ البشرية من إرسال طائرة ركّاب تجارية إلى الفضاء ثم تلتها شركة أمازون.
الثاير، المتمرِّد، المترفِّع، المُرهَف الإحساس، المُبدِع، الخلّاق، الجريء، العنيد بالحق، غير المساوم، غير المُهادِن، يلّي ما طاطأ راسو لسُلطة، ولا تزلَّف لراكِب كرسي، ولا حني رِكبتو لبعل، الصَّلب متل الأرز، رائد الشعر اللبناني يلي بيعيش وبيحاكي هموم الناس وبيقولبا بلمستو الخاصة، بلا تصنّع أو زخرفة فارغة.
كانت السنة بدهر. الرابع من آب لم يُحفر في الصخور لأنّه يوم ذلّ، قبل أن يكون يوم موتٍ ودمار. يوم ذلّ للبنان وعارٌ أمام العالم كلّه الذي أشار بأصابعه دون استثناء إلى مسؤولية المسؤولين، والذي كان قد دعا، ابتداءً من نيسان ٢٠١٨ في المؤتمر الدولي بباريس إلى وجوب الإصلاح كشرطٍٍ أساسي للمساعدة ثم قامت الثورة بعد سنة من ذلك. ثم وقعت الكارثة بعد سنة أيضًا.
كان أن نشأ لبنان. وكلّ فترة يتغيّر الأب، ذاك الوصي عليه، ليصطحبه في القطار إلى وجهةٍ ما ليقضي أمرًا كأنّه كان مكتوبًا.
على الرغم من الظروف المأساويّة التي يعيشها وطن الرسالة، لبنان، على كافّة الأصعدة السياسيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة، إلّا أنّ قدمَيك حين تطآن أرض لبنان، ينتابك شعورٌ مختلفٌ لا تجده في أيّ مكانٍ آخر على هذه الأرض؛ هي الحالة التي ينطبق عليها قول الشاعر الفلسطينيّ محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».